النفوس البشرية كالزجاج؛ كسرها لا يجبر، فلو أسأت إلى إنسان فلربما حمل عليك الدهر كله، حتى أخوك -الذي بينك وبينه رابطة الإيمان والمحبة- إذا نصحته بعنف فربما فرق الشيطان بينكما، فما بالك بمن هو فاعل لما نهى الله عنه أو تارك لما أمر الله به؟!
فلابد من الرفق، وهذا الرفق يعبر عنه بالأسلوب الحسن، ومن الرفق عرض الحُجج بلطف وتودد، ولا يعني ذلك أن للخصم حُجة، فإن خصوم السنة كلهم حُجتهم داحضة، لكن من أجل أن تسمع ما عنده، وتحاوره كما تحاوَر الرسل مع أقوامهم، ومن ذلك ما قصه الله في مواضع كثيرة مما دار بين موسى وهارون عليهما السلام وبين الطاغية الجبار فرعون.
فلابد أن يكون الرفق مصاحبًا للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، والصبر يكون بعده، فإذا ما عرضت الأمر والنهي -بعد العلم به وبحال المأمور والمنهي- على أفضل صورة محققًا الرفق مع المدعو، فبعد ذلك وطن نفسك على الصبر؛ لأنك قد تؤذى، كما قال الله لنبيه:"فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ" (القلم 48) فصاحب الحوت لم يصبر، وكان يعجب كيف يقول للناس: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، وهم يعلمون صحة رسالته وأمانته وديانته، ومع ذلك يرفضون ذلك ولا يؤمنون به، فخرج مُغاضبًا، ولم يتحمل هذا الرد وهذه المجابهة، وركب في السفينة كي يبتعد عنهم.
ن) جعل الله تعالى ممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من متطلبات الحفاظ على نعمة التمكين:-
-قال تعالى:"الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ {41} " (الحج 41) .
س) حذر الله تعالى من أن يعظ الإنسان غيره ثم يأتي بعكس ما يعظ به:-
-قال تعالى:"أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ {44} " (البقرة 44) .
ع) نهى الله تعالى عن الاقتداء بالآباء وغيرهم في المنكر أو في أي مما يغضب الله تعالى:-
1 -قال تعالى:"وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ {28} " (الأعراف 28) .
2 -قال تعالى:"قَالُوا سَوَاء عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ الْوَاعِظِينَ {136} إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ {137} وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ {138} فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ {139} " (الشعراء 139) .
ف) وعد الله تعالى من يقومون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالنجاة:-
-قال تعالى:"فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ {165} " (الأعراف 165) .
ش) بين الله تعالى أن أهل الكفر لا يستجيبون لأمر ولا لنهي بل يتربصون بمن يأمرهم وينهاهم:-
-قال تعالى:"وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ {72} " (الحج 72) .