أَكْثَرُ أَكْلِهَا النَّجَاسَةَ فَهِيَ جَلَّالَةٌ، وَإِنْ كَانَ الطَّاهِرُ أَكْثَرَ فَلَا، وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِالْكَثْرَةِ، وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ بِالرَّائِحَةِ وَالنَّتْنِ فَإِنْ وُجِدَ فِي عُرْفِهَا وَغَيْرِهِ رِيحُ النَّجَاسَةِ فَجَلَّالَةٌ، وَإِلَّا فَلَا، وَإِذَا تَغَيَّرَ لَحْمُ الْجَلَّالَةِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ بِلَا خِلَافٍ، وَهَلْ هِيَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ أَوْ تَحْرِيمٍ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ فِي طَرِيقَةِ الْخُرَاسَانِيِّينَ أصحهما: عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَجُمْهُورُ الْعِرَاقِيِّينَ وَصَحَّحَهُ الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمُعْتَمَدِينَ، أَنَّهُ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ قَالَ الرَّافِعِيُّ: صَحَّحَهُ الْأَكْثَرُونَ والثاني: كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَالْقَفَّالُ وَصَحَّحَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ وَالْبَغَوِيُّ، وَقِيلَ: هَذَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا وُجِدَتْ رَائِحَةُ النَّجَاسَةِ بِتَمَامِهَا أَوْ قَرُبَتْ الرَّائِحَةُ مِنْ الرَّائِحَةِ فَإِنْ قَلَّتْ الرَّائِحَةُ الْمَوْجُودَةُ لَمْ تَضُرَّ قَطْعًا.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَوْ حُبِسَتْ بَعْدَ ظُهُورِ النَّتْنِ وَعُلِفَتْ شَيْئًا طَاهِرًا فَزَالَتْ الرَّائِحَةُ ثُمَّ ذُبِحَتْ، فَلَا كَرَاهَةَ فِيهَا قَطْعًا، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَيْسَ لِلْقَدْرِ الَّذِي تَعْلِفُهُ مِنْ حَدٍّ وَلَا لِزَمَانِهِ مِنْ ضَبْطٍ، وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ بِمَا يُعْلَمُ فِي الْعَادَةِ أَوْ يُظَنُّ أَنَّ رَائِحَةَ النَّجَاسَةِ تَزُولُ بِهِ، وَلَوْ لَمْ تُعْلَفْ لَمْ يَزُلْ الْمَنْعُ بِغَسْلِ اللَّحْمِ بَعْدَ الذَّبْحِ وَلَا بِالطَّبْخِ وَإِنْ زَالَتْ الرَّائِحَةُ بِهِ، وَلَوْ زَالَتْ بِمُرُورِ الزَّمَانِ، قَالَ الْبَغَوِيّ: لَا يَزُولُ الْمَنْعُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: يَزُولُ قَالَ أَصْحَابُنَا: وَكَمَا مُنِعَ لَحْمُهَا يُمْنَعُ لَبَنُهَا وَبَيْضُهَا، لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي لَبَنِهَا، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيُكْرَهُ الرُّكُوبُ عَلَيْهَا إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الرَّاكِبِ حَائِلٌ، قَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ وَغَيْرُهُ: إذَا حَرَّمْنَا لَحْمَهَا فَهُوَ نَجِسٌ، وَيُطَهَّرُ جِلْدُهَا بِالدِّبَاغِ، وَهَذَا يَقْتَضِي نَجَاسَةَ الْجِلْدِ أَيْضًا، قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَهُوَ نَجِسٌ إنْ ظَهَرَتْ الرَّائِحَةُ فِيهِ، وَكَذَا إنْ لَمْ تَظْهَرْ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ كَاللَّحْمِ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَظُهُورُ النَّتْنِ وَإِنْ حَرَّمْنَا اللَّحْمَ وَنَجَّسْنَاهُ فَلَا نَجْعَلُهُ مُوجِبًا لِنَجَاسَةِ الْحَيَوَانِ فِي حَيَاتِهِ، فَإِنَّا لَوْ نَجَّسْنَاهُ صَارَ كَالْكَلْبِ لَا يَطْهُرُ جِلْدُهُ بِالدِّبَاغِ، بَلْ إذَا حَكَمْنَا بِتَحْرِيمِ اللَّحْمِ كَانَ الْحَيَوَانُ كَمَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، فَلَا يَطْهُرُ جِلْدُهُ. وَيَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.