الصفحة 21 من 138

كذلك فجون ستيورات مل، في ذات الكتاب، يَصِف عملَ المرأة داخل البيت بأنَّه يُحوِّلها إلى خادمة للرجل، على حينِ أنَّ عملَها خارج البيت يُصيِّرها شريكةً له، والشريكةُ غير الخادمة، وهذا خطأٌ في الوصف والتشخيص؛ إذ بهذه الطريقة يَنبغي أن نقول عنِ الرجل، الذي"يطفح الدَّم"؛ كي يأتي آخِرَ الشهر فيضع في يدِ زوجته ما كسبه كلَّه أو معظمَه لتُنفق منه عليه وعلى نفسِها هي والأولاد، إنَّه يشتغل خادمًا، بل عبدًا عندها هي وأولادها! وهو ما لا نقوله ولا يقوله عاقل، ثم إنَّ الناسَ، رَضُوا أمْ كرِهوا، هم بعضٌ لبعضٍ، وإنْ لم يشعروا، خدمٌ. خدمٌ بالمعنى الواسِع النبيل؛ إذ عليهم التعاون معًا، وإلا استحالتِ الحياة والحضارة؛ أليس كذلك؟!

ثم ما الذي في قِيام المرأةِ مثلًا بتعليمِ أبنائها في البيتِ مِنْ عيبٍ يَنتفي عندَ تعليمها أبناءِ الآخَرين في المدرسةِ إذا اشتغلتْ مدرِّسة، وكثيرًا ما تشتغل؟ أو ما الذي في قيامِ المرأة بتمريضِ أبنائها في البيتِ مِنْ عَيْبٍ ينتفي عندَ تمريضها أبناء الآخرين في المستشفى إذا اشتغلتْ ممرِّضة، وكثيرًا ما تشتغل؟ أهي معاندةٌ لمجرَّد المعاندة، والسلام؟ هذا، ولا بدَّ أن نوضح أنَّ إنفاق الرجل على زوجته ليس تفضلًا منه يستطيع إيقافَه متى أراد، بل هو واجبٌ عليه دينًا وعقلًا وعدلًا.

أليستْ تشتغل في البيت؟ فهذا مقابلٌ لعملِه هو خارجُ المنزل، فهي، حين تأخُذ منه مصروفَ البيت وثمنَ ملابسها وزينتها ونزهتها، إنَّما تأخذه بوصفِه حقًّا لها لقاءَ ما تؤدِّيه من أعمالٍ داخل البيت.

أنا لا أقول: إنَّه يجب على المرأةِ أن تعودَ إلى البيتِ حتمًا، لكني شخصيًّا أوثره على عملِها خارجَ المنزل، وقبل أن يذهبَ وهم بعضُ القرَّاء بعيدًا، أودُّ أن أبيِّن أنَّ زوجتي حاصلةٌ على الماجستير، ولولا مؤامرةٌ سخيفة وصغيرة تمَّت في غيابنا خارجَ مصر لكانتْ قد حصلتْ أيضًا على الدكتورية، ومع هذا فقدِ اتفقنا منذ البداية على أن تبقَى معزَّزةً مكرَّمةً داخل المنزل، فأعطانا هذا الفرصةَ للسفر إلى كثيرٍ مِن المدن والقُرى المصريَّة للفرجة والمُتعة وتوسيع المدارك، والتغلُّب على المَلَل، وقد عملتُ كل ما في وُسعي لتقرأَ كثيرًا وعميقًا، فاستجابتْ إلى حدٍّ رائع، وإنْ كانتْ قد أخلدتْ في السنواتِ الأخيرة إلى الاكتفاءِ بمطالعة الكتُب السهلة، وكثيرًا ما بيَّضتْ لي مسوَّدات كُتبي على خيرِ وجه، وكانتْ تتقاضاني مالًا على ذلك فأُعطيها إيَّاه وأنا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت