الصفحة 93 من 167

فما علم في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين بعده، إذ كانت أثمان الخمور ودراهم الرِّبا من أيدي أهل الذمة مختلطة بالأموال، وكذا غلول الأموال، وكذا غلول الغنيمة، ومن الوقت الذي نهى صلى الله عليه وسلم عن الرِّبا إذ قال: (( أول ربا أضعه ربا العباس ) ) [1] ما ترك الناس الرِّبا بأجمعهم كما لم يتركوا شرب الخمور وسائر المعاصي، حتى روي أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم باع الخمر، فقال عمر رضي الله عنه: لعن الله فلانًا هو أول من سن بيع الخمر، إذ لم يكن قد فهم أن تحريم الخمر تحريم لثمنها. وقال صلى الله عليه وسلم: (( إن فلانًا يجر في النار عباءة قد غلها ) ) [2] وقتل رجل ففتشوا متاعه فوجدوا فيه خرزات من خرز اليهود لا تساوي درهمين قد غلها، وكذلك أدرك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمراء الظلمة ولم يمتنع أحد منهم عن الشراء والبيع في السوق بسبب نهب المدينة وقد نهبها أصحاب يزيد ثلاثة أيام، وكان من يمتنع من تلك الأموال مشارًا إليه في الورع، والأكثرون لم يمتنعوا مع الاختلاط وكثرة الأموال المنهوبة في أيام الظلمة. ومن أوجب ما لم يوجبه السلف الصالح وزعم أنه تفطن من الشرع ما لم يتفطنوا له فهو موسوس مختل العقل، ولو جاز أن يزاد عليهم في أمثال هذا لجاز مخالفتهم في مسائل لا مستند فيها سوى اتفاقهم كقولهم: (إن الجدة كالأم في التحريم وابن الابن كالابن وشعر الخنزير وشحمه كاللحم المذكور تحريمه في القرآن، والرِّبا جار فيما عدا الأشياء الستة. وذلك محال فإنهم أولى بفهم الشرع من غيرهم. وأما القياس: فهو أنه لو فتح هذا الباب لانسد باب جميع التصرفات وخرب العالم إذ الفسق يغلب على الناس ويتساهلون بسببه في شروط الشرع في العقود ويؤدي ذلك لا محالة إلى الاختلاط) .

وهنا بعد أن بينا الأقسام الثلاثة يستلزم منا أن نتحرى المال الحلال من الحرام حتى وإن اختلط علينا، فهو أبرأ لديننا، ومن ترك شيئًا لله عوضه الله بأحسن منه. هذا هو المطلوب، لأجل التورع والتنزه.

نعم هذا ما كان معلومًا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وزمان الصحابة بسبب الرِّبا، والسرقة، والنهب، وغلول الغنيمة، وغيرها. ولكن كانت هي الأقل بالإضافة إلى الحلال. فماذا

(1) (الحديث طويل) رواه مسلم 2/ 886 برقم 147 - (1218) ، وأبو داود برقم (1905) ، وابن ماجة في سننه 2/ 1022 برقم (3074) ، وابن أبي شيبة في مصنفه 2/ 56 برقم (562) ، وأحمد في مسنده 34/ 299 برقم (20695) .

(2) الحديث سبق تخريجه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت