هي الأصوات المختلطة التي لا تُفهم. ويلوح للمتأمّل وجه الملائمة بين العقوبة والذنب، فقد عوقبوا بالتنوّر لتتقابل نار الجحيم بهيجان الشهوة ونيرانها، والتي جرّأتهم على مقارفة الذنب، وحُشروا في التنّور عراة لاستحقاقهم أن يفضحوا لأن عادتهم أن يستتروا في الخلوة فعوقبوا بالهتك، والحكمة في إتيان العذاب من تحتهم كون جنايتهم من أعضائهم السفلى.
4 - (الكذب والافتراء والمراوغة والتحايل) وكذلك المال الحرام الذي يأتي من الكذب والمراوغة والتحايل هو أيضًا سبب من أسباب عذاب القبر، الكذب، ففي حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه المتقدم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( .. فانطلقنا، فأتينا على رجل مستلق لقفاه، وإذا آخر قائم عليه بكلّوب من حديد، وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه فيشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول، فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب كما كان، ثم يعود عليه فيفعل مثل ما فعل المرة الأولى ) )، قلت: (( سبحان الله! ما هذان؟ ) )فكان الجواب كما في آخر الحديث: (( إنه الرجل يغدو من بيته، فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق ) ) [1] . ومعنى (( يشرشر ) ): أي يقطع، والشدق: هو جانب الفمّ. والحديث يبيّن خطورة الكذب، ولما كانت أعضاء الكاذب من عينه وأنفه تساعده على ترويج باطله وقعت المشاركة بينهم في العقوبة كما ذكر الإمام ابن هبيرة.
العقوبة في الآخرة:
وأما في الآخرة، فعن كعب بن عَجْرَة: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال له: (( يا كعبُ، لا يَرْبُو لَحْمٌ نَبَتَ من سُحْتٍ؛ إلاَّ كانت النار أوْلى به ) ) [2] . ففي هذا الحديث العموم بأن أكلي الحرام إذا لم يتوبوا قبل موتهم فالنار أولى بهم. وأما نوع العقوبة لكل نوع من أنواع المال الحرام سنذكر بعضها كما يأتي:
(1) تقدم تخريجه.
(2) سنن الترمذي (2/ 513) برقم (614) .