إن تعليق الحكمة هنا مظهرها العملي - أي على النجاح في ذاته بصرف النظر عن طبيعة الهدف - تجعل من المجتمع غابة من الوحوش الضارية يأكل بعضها بعضًا، إذ تتنافس على"التفوق"و"الغلبة"، ولا تتفق إراداتها على تحقيق أي قيمة من القيم الفاضلة: كالحق والعدل والإيثار وغيرها من الفضائل الإنسانية الثابتة في ذاتها.
فهل نحن مرة أخرى أمام دليل حديث يثبت أن الفلسفة الغربية تعيش على تراثها القديم؟
يرى وليم جيمس أن (الحق) إنما هو فرض عملي، أي مجرد أداة يختبر بها (تصوره) السابق، ويرى أن الحقائق تنقسم إلى قديمة وجديدة!!.
والصواب الذي يتفق عليه أغلب الفلاسفة، أن الحق يستمد قيمته المطلقة من قيمته الثابتة خارج مقولتي"الزمان"،"المكان".
ونراه أيضًا يخلط خلطًا معينًا بين المبادئ والأهداف؛ حيث يصبها في قالب"المنفعة"، بينما التفكير السليم يقتضي العكس، أي الإيمان بالفكر والعقيدة أولًا عن اقتناع وتثبت بقيمتها الذاتية، ثم السعي بمقتضاها مهما قابلنا في طريقنا من صعوبات، فضلًا عن افتقاد"المنافع"وهذا هو منهج الأنبياء والرسل عليهم السلام.
ومهما كانت نية وليم جيمس وحوافزه ذات الطابع الأخلاقي فإن صدى فلسفته كانت متعارضة مع نواياه، فقد فوجئ بإخوانه الأمريكيين يندفعون لتكديس الثروات، وأخذ يلومهم"لأنهم يعبدون تلك الآلهة الفاجرة التي تدعي"النجاح") [1] ."
ولكن ماذا كان يتوقع غير ذلك؟
إن هذا هو المصير المحتوم والنتيجة المنطقية لفلسفة تعظم المنفعة وتزدري الفكرة الثابتة والقيم المطلقة [2] .
(1) المفكرون من سقراط إلى سارتر: هنري توماس ص 439.
(2) وفي تحليل المجتمع الأمريكي المعاصر، يقول الأستاذ هيكل الصحفي المعروف ذو الخبرة الواسعة بالسياسة العالمية: (إننا نتصور أحيانًا أن التأثير ممكن بمنطق الحق والعدل والقانون، وننسى أننا حيال مجتمع تعود أن يتعامل مع الواقع بصرف النظر عن التاريخ، وبالنسبة لمعاييره ليس هناك حق ولا عدل ولا قانون في المطلق. إن معيار القيمة الوحيدة هو النجاح) من كتابه: (زيارة جديدة للتاريخ) .