ومع هذا فإن دراسة مذهب مل - حتى بعد هذين التعديلين - تكشف عن تناقضه، إذ أن المذهب الحسي لا يعترف بالكيفية، ولا يقر بقيم موضوعية للموجودات والوظائف، فلا فرق بين الوظائف العليا والدنيا، إذ أن الاختيار بين اللذات متروك لتقدير المنفعة الحسية فحسب، وفي النقطة الثانية، فما دام النفع الذاتي هو الأصل في المذهب الحسي، فإنه لا يخضع للنفع العام لأنهما كثيرًا ما يتعارضان.
وتكشف هذه النتيجة عن"تناقض المذهب الحسن مع الحقيقة الشاملة، وستيوارت مل ملوم لإصراره على هذا المذهب بعد أن لمس نقصه في نواح كثيرة، ولكنه استنشقه في بيته وبيئته، ولم يوفق إلى فهم المذهب العقلي على حقيقته" [1] .
الأخلاق في الفلسفة العملية (البرجماتية) :
تفرع المذهب النفعي في النصف الأول من هذا القرن فروعًا شتى وانتصر له طائفة من الفلاسفة الأمريكيين بوجه خاص وأصبح من الجائز في منطق هؤلاء النفعيين أن يوضع لحل المشكلة الواحدة مجموعة من المذاهب قد تصدق كلها أو يصدق الكثير منها في وقت واحد، متى أفضت هذه الفروض إلى تحقيق منفعة بغير اعتراف للحق لذاته أو الباطل لذاته [2] !!
ويتضح المذهب بصورة أوضح عند أحد كبار فلاسفته وهو وليم جيمس الذي يرى أن الخير يقوم في إشباع مطالب الإنسان وتحقيق رغباته.
ومعنى هذا أن من حقنا أن نعتنق مبدأ خلقيًا أو معتقدًا دينيًا لا يحملنا على اعتناقه تفكيرنا النظري المجرد، بل تدعونا إلى اعتناقه مطالب الحياة ومقتضياتها.
وحتى الدين، فقد أقامه على التجربة، فحاول أن يثبت أن اعتناق الدين والإيمان بالله حق، لأنه يتحول عند المؤمن إلى سلوك ناجح لا حياته، فالإيمان يساعد صاحبه على احتمال الكوارث
(1) تاريخ الفلسفة الحديثة: يوسف كرم ص 349.
(2) الفلسفة الخلقية: د. توفيق الطويل ص 269 - 270 دار النهضة العربية 1967.