الصفحة 186 من 253

القوة النظرية بالعلم والتوسط في جميع ذلك بين طرفي الإفراط والتفريط هو العدل أي بعبارة أخرى دارت تفسيراتهم الأخلاقية حول الغاية من العبادات والشرائع فظنوا في النفس واستكمال قوتها العملية بالعدل.

والحقيقة غير هذا فإنه لا كمال للنفس إلا بتحقيق ما خلقت لأجله ويتلخص في معرفة الله بأسمائه وصفاته، ومعرفة أمره ودينه والتمييز بين مواقع رضاه وسخطه، واستفراغ الوسع في التقرب إليه وامتلاء القلب بمحبته، بحيث يكون سلطان حبه قاهرًا لكل محبة ولا سعادة للعبد في دنياه ولا في أخراه إلا بذلك [1] ، وهذا هو مقصود الدين الأسمى الذي يدفع بالعبد إلى الكمالات الأخلاقية.

ونفهم من سياق نقده للنظريات الأخلاقية عند الفلاسفة أنه يعني نظرية الوسط عند أرسطو من قلده من فلاسفة المسلمين، فأخذ ابن القيم يناقش الفكرة من كافة وجوهها، ويخصص بعض السجايا الأخلاقية عندهم بالنقد، ففيما يتعلق بالعفة مثلًا لم يذكروا عن ماذا تكون ولا مقدارها الذي إذا تجاوزه العبد وقع في الفجور وكذلك الحلم لم يذكروا مواقعه ومقداره وأين يحسن وأين يقبح، وكذلك الشجاعة وكذلك العلم لم يميزوا العلم الذي تزكو به النفوس وتسعد به من غيره، بل لم يعرفوه أصلًا وذلك بخلاف الرسل صلاة الله وسلامه عليهم فقد بينوا ذلك غاية البيان وفصلوه أحسن تفصيل، وقد جمع الله ذلك في كتابه في آية واحدة فقال: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33] فهذه الأنواع الأربعة التي حرمها تحريمًا مطلقًا لم يبح منها شيئًا لأحد،

فالفواحش متعلقة بالشهوة - وتعديل قوة الشهوة باجتنابها - والبغي بغير الحق متعلق بالغضب وتعديل القوة الغربية باجتنابه - أي الغضب - والشرك بالله ظلم عظيم على الإطلاق، وهو

(1) مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة ج 2 ص 116 ط صبيح 1341 هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت