الصفحة 171 من 253

منها. يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [التحريم: 8] [1] .

إنه يثبت جانبًا جبريًا في الإنسان، يتمثل في عوامل الوراثة والخلقة وظروف النشأة والبيئة، ولكنه يرى أنه مختار لأفعاله، ويدعوه إلى بذل الجهد واستخدام إرادته الحرة في رياضة نفسه وتقويم أخلاقه ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وهنا يكاد يتفرد الأصفهاني بنظرته إلى دور العبادة في المجال الأخلاقي.

العبادة ودورها في السلوك الأخلاقي:

تمهيدًا لبيان دور العبادة في تقويم الأخلاق، ينبغي البدء بشرح ما يمتاز به الإنسان عن الحيوان، من حيث القوى والطبائع الحيوانية أي الشهوة البدنية والغذاء والتناسل وغيرها، ولكن الإنسان ينتقل إلى مستوى أعلى حيث يتميز بالعقل، بل إنه بسبب العقل صار إنسانًا، ولكن العقل لا يصلح وحده بغير الشرع، وهنا تظهر أهمية العبادة في السلوك الإنساني عند الراغب الأصفهاني"فمن قام بالعبادة حق القيام فقد استكمل الإنسانية، ومن رفضها فقد انسلخ عن الإنسانية فصار حيوانًا أو دون الحيوان" [2] ؛ لأنه بالعبادة يحقق الغاية التي من أجلها خلق، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ} [الذاريات: 56، 57] ، {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5] .

فما هي العبادة وما هو دورها في السلوك الأخلاقي؟

العبادة كما يعرفها هي:"فعل اختياري مناف للشهوات البدنية تصدر عن نية يراد بها التقرب إلى الله تعالى طاعة للشريعة".

(1) نفسه ص 54.

(2) تفصيل النشأتين ص 5.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت