الصفحة 117 من 253

ومع ذلك فإن ما جاء به القرآن في مجال الأخلاق ذو قيمة عامة لا بالنسبة للحياة العملية للمسلمين أنفسهم فحسب بل بالنسبة لأبناء البشر جميعًا، ومعرفة القانون الأخلاقي كما جاء به القرآن يكمل النقص في تاريخ المذاهب الأخلاقية ويفتح آفاقًا جديدة في دراسة المشكلة الأخلاقية ذاتها وفي حل كثير من المسائل والصعوبات التي تثيرها.

ويرى الدكتور السيد بدوي أنه إذا كان بعض الكتاب قد تعرض في كتاباته عن النظم الإسلامية بوجه عام لسرد بعض القواعد الأخلاقية التي تستلخص من القرآن ومن التشريع الإسلامي، فقد كان يعاد هذه المسائل في عجالة دون أن يكون فيما يسرده ما يشفي غليل الباحث الذي يريد أن يتعمق الدراسة العلمية. ولم يتعرض أحد لبحث الجانب النظري من المسألة ولم يحاول استخلاص المبادئ العامة التي تستمد من القرآن. وكل ما فعله هؤلاء - الكتاب أو المستشرقون - هو جمع بعض الآيات القرآنية التي تحتوي على قواعد للسلوك الأخلاقي وترجمتها.

وأخيرًا تصدى لهذا العمل الكبير ما يقرب من خمسة عشر عامًا عالم جليل من علماء الأزهر وهو الأستاذ الدكتور محمد عبد الله دراز في رسالته القيمة التي نال بها درجة الدكتوراه من السربون وعنوانها"أخلاق القرآن".

ويرى الدكتور السيد بدوي أن المذاهب الأخلاقية لدى فلاسفة الغرب لم تبرز من الحقيقة الأخلاقية - وهي حقيقة مركبة متشابكة - إلا بعض وجوهها. والمتتبع لتاريخ الفلسفة يلاحظ العيب نفسه في المذاهب الكبرى التي تتعرض لنظرية المعرفة، فهناك المذهب المثالي والمذهب الواقعي والمذهب العقلي والمذهب التجريبي وكلها يتعارض بعضها مع بعض لا لسبب إلا لأنها ادعت لنفسها إمكان تفسير المعرفة الإنسانية بالرجوع إلى مبدأ وحيد.

ويقول أيضًا"وما حدث بالنسبة للفلسفة النظرية حدث كذلك بالنسبة للأخلاق فأراد فلاسفة الأخلاق كل بدوره أن يبني قواعد الأخلاق على مبدأ وحيد فهو أحيانًا مبدأ السعادة وأحيانًا مبدأ اللذة وأحيانًا مبدأ العقل الخ. والحقيقة أنه لا يكفي في توجيه إرادتنا أن نرجع إلى قاعدة"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت