فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 138

قوافي قصيدته أشد تمكنا منه" [1] . وبالمقابل كذلك فإن الشاعر قد يسهل عليه بناء بيت شعري، لكن إيجاد القافية الملائمة المشاكلة للمعنى، المتناغمة مع موسيقى البيت ليس بالأمر الهين."

من خلال النصوص السابقة، يبدو أن الآراء حول صلة القافية ببناء القصيدة لدى نقاد القرن الهجري الثامن تنقسم إلى نوعين:

-رأي يرى أن القصيدة تبنى على القافية، فتأتي هذه الأخيرة استجابة لمعنى البيت الشعري وموسيقاه، وهو الرأي الذي مال إليه ابن خلدون وابن الخطيب وابن عبد الملك المراكشي.

-رأي يرى أن القافية تبنى على القصيدة، فيضع المبدع القوافي أولا ثم يبدأ في عملية بناء القصيدة. على اعتبار أن القافية هي الأهم في الصنعة، وقد مال إلى هذا الرأي ابن البناء المراكشي والشريف السبتي.

وبالرجوع إلى التراث النقدي العربي القديم؛ نجد أن ابن رشيق القيرواني قد لخص هذين الرأيين، ورجَّح الرأي الأول المذكور أعلاه لدى نقاد القرن الهجري الثامن، يقول:"ومن الشعراء من يسبق إليه بيت واثنان، وخاطره في غيرها: يجب أن يكونا بعد ذلك بأبيات، أو قبله بأبيات، وذلك لقوة طبعه، وانبعاث مادته، ومنهم من ينصب قافية بعينها لبيت بعينه من الشعر مثل أن تكون ثالثة أو رابعة أو نحو ذلك لا يعدو بها ذلك الموضع إلا انحل عنه نظم أبياته، وذلك عيب في الصنعة شديد، ونقص بين؛ لأنه -أعني الشاعر- يصير محصورا على شيء بعينه، وضيِّقا عليه، وداخلا تحت حكم القافية. وكانوا يقولون: ليكن الشعر تحت حكمك، ولا تكن تحت حكمه. ومنهم مَنْ أخذ في صنعة الشعر كتب من القوافي ما يصلح لذلك الوزن الذي هو فيه، ثم أخذ مستعملها، وشريفها، ومساعد معانيه، وما وافقها، واطَّرح ما سوى ذلك، إلا أنه لا بد أن يجمعها ليكرر فيها نظره، ويعيد عليها تخيره في حين العمل، هذا الذي عليه حذَّاق القوم" [2] . وهي فكرة ترددت قبل ذلك لدى كل من ابن طباطبا العلوي [3] (تـ 322 هـ) وأبي هلال العسكري [4] (تـ 395 هـ) .

(1) - رفع الحجب المستورة، ج 1، ص:194.

(2) - العمدة، ج 1، ص:210 - 211.

(3) - يقول العلوي:"فإذا أراد الشاعر بناء قصيدة مخض المعنى الذي يريد بناء الشعر عليه في فكره نثرا، وأعد له ما يلبسه إياه من الألفاظ التي تطابقه، والقوافي التي توافقه، والوزن الذي يسلس له القول عليه. فإذا اتفق له بيت يشاكل المعنى الذي يرومه أثبته، وأعمل فكره في شغل القوافي بما تقتضيه من المعاني على غير تنسيق للشعر وترتيب لفنون القول عليه؛ بل يعلق كلّ بيت يتفق له نظمه، على تفاوت ما بينه وبين ما قبله". عيار الشعر، محمد ابن طباطبا العلوي، شرح وتحقيق عباس عبد الساتر، مراجعة نعيم زرزور، دار الكتب العلمية، (د. ط) ، بيروت، 1402 هـ/1982 م، ص:11.

(4) - يقول العسكري:"وإذا أردت أن تعمل شعرا فأحضر المعاني التي تريد نظمها فكرك، وأخطرها على قلبك، واطلب لها وزنا يتأتى فيه إيرادها وقافية يحتملها؛ فمن المعاني ما تتمكَّن من نظمه في قافية ولا تتمكن منه في أخرى"، كتاب الصناعتين، ص:139.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت