-قطعة أبي الحجاج، وهي التي أتت القافية فيها بعد بناء البيت، فكانت استجابة لمعناه وموسيقاه. فالمعنى هنا هو: الندم والموسيقى تتكون من صوتين: صوت تكرار الكاف الدال على اصطكاك الأسنان من الخوف، وحرف الفاء الساكنة المتكرر الدال على التأفف والندم. وهي معان متشاكلة مع موسيقى الأبيات ونغمها.
لقد كان لهذا التشاكل بين القافية ونفسية الشاعر ومعنى القصيدة اهتمام لدى الدارسين المحدثين [1] ، وأكدوا أن"لإحساس الشاعر بقوة تمثيل القافية لحالته النفسية، وقدرتها على حكايتها في ثراء وإيحاء، كانت معظم الإيقاعات في الموسيقى الداخلية، على غرار وزن كلمة القافية" [2] ، وأعطوا أمثلة على ذلك، فحرف القاف -كما نعرف- حرف مجهور شديد، لأنه يحجز الهواء خلفه، حتى ينقطع نفس الشاعر من شدة الحزن، وهو حرف مستعلٍ؛ لأن اللسان يرتفع به إلى أعلى الحنك" [3] ."
على الرغم مما قلناه حول القطعتين، فإن ابن عبد الملك المراكشي يشهد لهذين المبدعين معا بالإجادة، لأنهما استطاعا أن يقولا الشعر وفق شروط مسبقة، منها: وجود قوافي جاهزة. فكان اختلاف أبياتهم واتحاد قوافيهم دليلا على قوة شاعريتهما عل رأي هذا الناقد. لكن ابن البناء يرفض هذا القول، ويرى أن أساس الصنعة في الشعر هو اختيار القافية لبناء الشعر وفقها، وليس بناء الحشو على قافية جاهزة، أي أن الصناعة مقصورة على القافية. يقول:"ولما كان الغرض من بيتي الشعر الاختلاف بالقافية ليستقلَّ كُلُّ بيتٍ، كان تكرار القافية بمعناها بمنزلة تكرار البيت بعينه، لأنَّ الصَّنْعَة إنما هي (في القافية) لا في حشو البيت ولذلك خصّوا القافية بأسماء لحروفها ولحركاتها، وليس ذلك في سائر البيت" [4] .
ويذهب الشريف السبتي مذهب ابن البناء في الانتصار إلى رأي بناء القصيدة أو البيت على القافية، يقول:"وحكي أن أبا زكرياء يحيى بن مكي، كاتب أبي العلاء أخي أمير المؤمنين أبي يوسف المنصور، قال لأبي بكر بن مجير هذا:"نظمت قصيدة مقصورة الرويَّ أمدح بها السيد أبا العلاء، وأعجزني روي بيت واحد منها، فما أدري كيف أتممه؟ فقال له أبو بكر: أنشدنيه، فأنشده قوله:
سليل الإمام، وصنو الإمام ... وعمر الإمام
فقال له من غير روية ولا تفكر قل:"ولا منتهى"فوضعه ابن مكي في قصيدته على ما تممه له أبو بكر" [5] . يبدو من هذه الحكاية أن الشريف السبتي كان يفهم أن القافية تأتي خلاصة لحمولة البيت الموسيقية والمعنوية والعاطفية. وأن إعطاء البيت ناقص من القافية أسهل على المجيد تتمته من فرض قافية وطلب الحشو. يقول السبتي معقبا على هذه الحكاية:"ولم يأت في
(1) - نشرت في هذا الموضوع مقالا بعنوان:"جمالية القافية في شعر ابن الأبار (تـ 658 هـ) : تشاكل صوت الروي ومعاني القصيدة"، ضمن حوليات كلية اللغة العربية، العدد: 25، تصدرها كلية اللغة العربية بمراكش، 1429 هـ/2008 م، ص:195 وما بعدها.
(2) - البناء الفني للصورة الأدبية في الشعر، علي علي صبح، المكتبة الأزهرية للتراث، 1416 هـ/1996 م، ص:256.
(3) - البناء الفني للصورة الأدبية في الشعر، ص:256.
(4) - الروض المريع، ص:160.
(5) - رفع الحجب المستورة، ج 1، ص:194.