فإن لرجل علي أوقية ذهب فهو لك بها قال: «قد أخذته» [1] ففي قول جابر في الأولى والثانية (لا بل هو لك) كناية عن الهبة ويستدل على ذلك بأنه نفى البيع وأصر على نقل ملكية الجمل للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأما قوله في الثالثة (فهو لك بها) فهو كناية عن البيع لأنه قبل بالعوض، فاللفظ الواحد إذا كان كناية يتغير معناه بتغير ظروف الحال.
ويذهب جمهور الفقهاء [2] إلى أن الحكم لا يثبت بألفاظ الكناية إلا بالنية أو ما يقوم مقامها من دلائل الحال، ولكن من الفقهاء من يمنع الكناية في النكاح قطعًا نحو: أحللتك ابنتي وإن نوى بها النكاح وتوافرت القرائن على ذلك وعللوه: بأنه لا اطلاع للشهود على النية ومن هؤلاء الشافعية [3] .
44-تفسير ألفاظ العقد: اختلاف الفقهاء بين الاعتبار بالمعاني وبين الاعتبار بالمباني:
اختلف الفقهاء حول تفسير ألفاظ العقد فمنهم من جعل العبرة بالمعاني لا بالمباني أي الألفاظ ومنهم من غلب ظاهر اللفظ على المعنى المقصود من سياقه، فإذا قال اشتريت منك ثوبًا صفته كذا بهذه الدراهم فقال بعتك فهو ينعقد بيعًا اعتبارًا باللفظ ورجح السبكي من الشافعية أنه ينعقد سلمًا اعتبارًا بالمعنى وإذا وهب بشرط الثواب فهل يكون بيعًا اعتبارًا بالمعنى أو هبة اعتبارًا باللفظ، والأصح الأول عند الشافعية [4] .
وصرح فقهاء الحنفية في بعض المواضع بأن الاعتبار للمعنى لا للألفاظ [5] فالكفالة بشرط براءة الأصل تعتبر عند الحنفية حوالة تغليبًا للمعنى على المبنى، وإن كانت بشرط عدم البراءة فهي كفالة، ولو وهب لمن عليه الدين له كان إبراء فلا يتوقف على القبول ومن فروع هذه القاعدة عندهم أن الإجارة تنعقد بلفظ الهبة والتمليك وبلفظ الصلح عن المنافع وبلفظ العارية، ولو شرط رب المال للمضارب كل ربح كان المال قرضًا ولو شرط الربح
(1) رواه البخاري في باب إذا اشترط البائع ظهر الدابة.
(2) أصول السرخسي 1/ 188، وكشاف القناع 3/ 147، 5/ 251 مغني المحتاج 2/ 5 الأشباه والنظائر للسيوطي 11.
(3) نهاية المحتاج للرملي 6/ 212.
(4) يراجع في هذا الأشباه والنظائر للسيوطي.
(5) الأشباه والنظائر لابن نجيم.