ومن هنا ندرك موقف الإسلام من الأدب بعامة، ومن الشعر بخاصة. وأنه موقف يتجلى فيه: (( الصدق الفني الذي يحكم إطاره العقل والعاطفة والخيال معا في بُعد عن المبالغات المفرطة التي يلفظها الحس الصادق، وفي بُعد عن التكلف الثقيل عن النفس والتصنع المنفر للحس والمبعد عن الطبع مع المحافظة على سلامة اللغة رونقا وديباجة لكي تظهر محاسن الأدب وتبرز لطائفه التي تتفاعل معها الأحاسيس ) ) [1] .
وهذا من حيث تجلى النتاج الأدبي ونضجه وتكامله فيما يتناول البناء الفني شكلا ومضمونا.
أما من حيث المنهج فمعلوم (( إن نظرة الإسلام إلى الأدب لم تتناول موقفه من الفنون الأدبية جميعها، لأن كثيرا من هذه الفنون جد على المسلمين بعد الكتاب والسنة سوى الشعر والقصة والخطابة، فهذه ألوان صاحبت الحياة الأدبية عند العرب في جاهليتهم وبعد إسلامهم وكان للإسلام منها موقف واضح محدد ) ) [2] .
أما القصة والخطابة فموقف الإسلام منهما موقف يتجلى فيه سلامه النقد وصحة التوجيه ويكفى في ذلك خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخطب الخلفاء من بعده وخطب الولاة وقادة الجيوش الإسلامية فإن هذه الخطب قد سارت على نحو مما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول في هذا الشأن وحسبنا في ذلك ما أوردناه من نصوص خطابيه لعدد من الخطباء والأنبياء وحسبنا في ذلك ما أشرنا إليه من الخصائص التي تميز بها كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو القدوة الحسنة للمسلمين في كل شيء.
وأما القصة فلا تقل شأنا عن الخطابة غير أن هذا اللون لم يكثر كثرته إلا في عصر النهضة الحديثة وذلك من حيث المنهج أما من حيث الصدق الفني والنضج الأدبي فيكفى في ذلك ما سقناه من نصوص القصة الإسلامية من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما الشعر فلون تختلف نظره الإسلام إليه عن هذين اللونين: أعني الخطابة والقصة.
ونظرًا إلى خطورته في حياه العرب والمسلمين أدبيا وفكريا فقد حدد الإسلام موقفه منه فنيا ومنهجيا.
وقد أشرنا إلى شيء من هذا الموقف فيما سبق ذكره ومن حيث المنهجية فإن نظرة الإسلام إلى الشعر تقوم على المواقف والحوادث التالية:
1 -ما ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سماعه الشعر ومدحه إياه وطلب المزيد من إنشاده.
(1) الجانب الخلقي في الشعر الجاهلي للدكتور/ زهدي خواجة ص 38.
(2) نحو مذهب إسلامي في الأدب والنقد د/ عبدالرحمن الباشا ص 4 طبع جامعة الإمام 1405.