فلأجل تصوير المشهد من خلال هذا الخبر الذي يشد الذهن إلى معنى القوة والصلابة والغلظة نجد التعبير بما يناسب المقام حيث لفظة مستلق، وقفاه، وفهر، وصخر ويشدخ.
وانظر إلى قوله - صلى الله عليه وسلم: حين أورد هذا الخبر الذي يعج مشهده بمعاني الاسترواح النفسي والاطمئنان والهدوء حيث يقول: - صلى الله عليه وسلم:"فانطلقت فإذا روضة خضراء فإذا فيها شجرة عظيمة، وإذا شيخ في أصلها حوله صبيان، وإذا رجل قريب منه".. إلى قوله - صلى الله عليه وسلم - فصعدا بي الشجرة فأدخلاني دارا لم آت دارا قط أحسن منها. وهكذا حتى نهاية العرض لهذا الخبر الحافل بالتشويق.
وتلك خصوصية يكاد أن يتسم بها الكلام النبوي جملة وتفصيلا سواء كان كلامه - صلى الله عليه وسلم - من قبيل القصة أو غيرها من فنون النثر، والفيصل في ذلك حديثه - صلى الله عليه وسلم - في موضوعات الترغيب والترهيب وذكر الجنة أو ذكر النار، أو تصوير مشاهد القيامة، تلك الدرر النبوية التي يغلب على أسلوبها طابع القصة.
أما المعاني التي زخر بها هذا النص القصصي الفريد، فإنها معاني فريدة من هدي النبوة، فلا غموض ولا ألغاز ولا تعقيد. وإنما هي معاني تجلي الحقيقة تارة بأسلوب حقيقي وأخرى بأسلوب تخيلي حسن من ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم:"لكن أنا رأيت رجلين أتياني فأخذا بيدي فأخرجاني إلى أرض فضاء أو أرض مستوية، فمرا بي على رجل ورجل قائم على رأسه بيده كلوب من حديد فيدخله في شدقيه فيشقه حتى يبلغ قفاه، ثم يخرجه فيدخله في شقه الأخر، ويلتئم هذا الشق فهو يفعل ذلك به."
هذا العرض الإخباري، قد تجلى معناه بأسلوب الحقيقة حيث لم يعتمد فيه - صلى الله عليه وسلم - على الأسلوب المجازي من استعارة أو كناية وإنما تلاحقت معانيه وفق مبانيه حيث أسلوب الحقيقة التي استطاع الأسلوب النبوي الفريد أن يصور هذه المعاني ويجليها للناظر وكأنما هو إزاءها حقيقة ماثلة للعيان، من غير استعانة بأسلوب المجاز الذي يتخذه صناع الكلام لإبراز معانيهم الأدبية.
ومن الأسلوب التخيلي الحسن الذي تم بواسطته عدد من المعاني السامية الشريفة فيما ترمي إليه هذه القصة قوله - صلى الله عليه وسلم -"فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه".
فالمتأمل يرى في كلمتي"يأخذ ويرفض استعارة لطيفة حيث شبه حال من يقرع أذنه القرآن الكريم بزواجره ومواعظه وأحكامه بحال أخذ الشيء لما يرى فيه من المنفعة، ولكن هذا الأخذ لا يلبث أن يترك ما أخذ فيرد ما ينفعه."
وكذلك الشأن في لفظة"يرفض"فقد شبه حال من يتجاوز أحكام القرآن الكريم ولا ينتفع بما فيه من الهدي بحال من يرفض الشيء النافع لقلة معرفته به، أو لعدم تأثيره في شأن معاشه ومعاده.