فاستغفر الله وأتوب إليه) وهذه العبارة من أرقى العبارات في تجسيد الواقعية المثالية من خلال الفن الأدبي الذي ينطلق من وجهة نظر الإسلام في تحديد مفهوم الواقعية بواسطة شخصية الأديب المسلم الذي يترسم بكلمته وفكره وسلوكه معنى الواقعية الإسلامية التي هي (الإبداع البشري الهادف الجميل الذي يرتفع بروح الإنسان باتجاه المثال النقي مبتعدا عن أوحال الأرض وشرورها وآثامها من خلال أبعاده الزمانية والمكانية والفكرية [1] ، وهذا هو ما نلحظه في ثنايا هذه الخطبة من كلام عمر في تجسيد المعاني الإسلامية الغائية النبيلة الهادفة من مثل قوله رحمه الله:(أما بعد: فإنكم لم تخلقوا عبثا، ولن تتركوا سدى""ألم تعلموا انه لا يأمن من غد إلا من حذر اليوم وخاف) (ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين، ستكون من بعدكم للباقين) .
هذه هي الواقعية المثالية في مضامين الأدب الإسلامي: إنها معاني شريفة سامية تتحدث عن إيمان ويقين لتفصح عن مبدأ الخلق للإنسان والغاية منه، وعن مبدأ السير على منهج الله تعالى بحذر عقابه وبتقواه وعن التفكير في الهالكين الأولين وفي الباقين، ففي ذلك معنى الإيمان بالخالق الذي يحيي ويميت.
ونلحظ من خلال كلام عمر بن عبدالعزيز في هذه الخطبة، وفي خطب غيره من المسلمين في العهد النبوي وشطر من العهد الأموي، نلحظ ظاهرة تكاد تكون من خصائص الخطب عند الجاهليين، وتلك الظاهرة أو الخصوصية هي اتسام الخطبة الجاهلية بالإيجاز والقصر والسجع والاستشهاد بالشعر والحكم والأمثال.
ولا شك أن الخطابة الإسلامية قد حافظت على جل هذه الخصائص باستثناء السجع الذي اختفى أو كاد بسبب نهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنه لما فيه من تشبه بسجع الكهان، فقد روي في الحديث الشريف أن الرسول - صلى الله عليه وسلم: قد قضى على رجل في جنين بديته فقال الرجل: يا رسول الله أأدي من لا شرب ولا أكل ولا صاح فاستهل فمثل ذلك يطل؟: فأنكر النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الأسلوب على الرجل وقال له: أسجعا كسجع الكهان؟ [2] .
ولا شك في صحة هذا الخبر، ولا شك في ظهور هذه الخصوصية التي هي انتفاء السجع من الخطب الإسلامية ولكن ليس الأمر على إطلاقه فإنما المقصود بالسجع الذي ذمه الرسول الكريم، وعريت منه الخطب الإسلامية هو السجع المتكلف، ولذلك قيده الرسول الكريم بسجع الكهان على حد قوله:"أسجعا كسجع الكهان".
(1) الواقعية الإسلامية في الأدب والنقد - الدكتور/ أحمد بسام ساعى ص 45 دار المنار جدة.
(2) من أدب الدعوة الإسلامية/ عباس الجراري ص 121 ط 2 دار الثقافة/ الدار البيضاء.