وجود الموضوعات ووفرة العبقريات، ووجود الأدب اليوناني بينهم ومعرفتهم له، وخير دليل على معرفتهم له ما ذكره الجاحظ في البيان والتبيين من تحليل وتعليل الفوارق بين شعر الإغريق وشعر العرب وعلى الرغم من وقوفهم على شهنامة الفرس وعلى شيء من أدب الهند فإنهم لم يستسيغوا هذا النوع من الأدب أو من الشعر وهم يقلدوه بل ظلوا في معزل عنه وهذا ما حدا بابن الأسير أحد النقاد القدماء إلى الحكم بالتقصير في النفس الشعري عند العرب على الرغم من أنهم أبناء بطولة وفروسية وفيض شعري، ونكتفي بالحديث عن العلل والأسباب التي من أجلها تأخر الشعر العربي عند الجاهليين عن طول الشعر الملحمي غير مغفلين ما له من قصائد طوال عرفت بالمسمطات والمطولات والمعلقات والحوليات والمجمهرات لكنها على أي حال لا تصل إلى حد الملاحم المعروفة عند غيرها من الأمم وحين جاء الإسلام ذالك الحدث التاريخي الهام الذي هو وحي السماء إلى الأرض حين جاء ظهر على صعيده أمة ليس لها مثيل في تاريخ الأمم لأنها الأمة الوسط في كل شيء وكان لزاما أن يغير الإنسان في مسار فكرها وأدبها فيخرجه من طلاسم الوثنية والجاهلية إلى صحة المبدأ وسلامة المصير إخراجه لها من ظلام الجهل والكفر إلى نور العلم والإيمان فحل مكان البطولات والمعلقات والمسمطات والمجمهرات والحوليات قصائد إسلامية عصماء في الذب عن العقيدة والمنافحة عن عرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وحسبنا في ذلك بقصائد كعب بن مالك وكعب بن زهير وشعر حسان بن ثابت ذلك الشاعر الذي قصر شعره على الإسلام ورسول الإسلام، ومن شعره قصيدته التي يعدها دارسو الأدب من قبيل الشعر الملحمي الذي صنفه النقاد في عداد المذهبات والقصيدة من شعره في الجاهلية غير أنها تحمل كثير من أبياتها قيم أخلاقية طبعها بطابع الإسلام من هذه القصيدة المطولة قول حسان رضي الله عنه:
لساني وسيفي صارمان كلاهما ... ويبلغ ما لا يبلغ السيف مذودي ... فلا الدهر ينسيني الحبا وحفيظتي ... ولا وقعات الدهر يفللن مبردي ... وأكثر أهلي من عيال سواهم ... وأطوى على الماء القراح المبرد
وإني لمزج للمطى على الوجى ... وإني لتارك لما لم أعود
وإني لقوال لدى البيت مرحبا ... وأهلا إذا ما ريع من كل مرصد
وإني ليدعوني الندى فأجيبه ... وأضرب بيض العارض المتوقد