يقول الرصافي في مطلقة: -
منزهة عن الفحشاء خَوْدٌ ... من الخفرات آنسةٌ عرُوبُ
نَوارٌ تستجدّ بها المعالي ... و َتبلى دون عِفَّتها العيوب
صفا ماءُ الشباب بوَجنتها ... فحامتْ على رونقه القلوبُ
ولكن الشوائبَ أدركته ... فعاد وصفوه كدرٌ مشوبُ
حليلةُ طيّبِ الأعراق زالت ... به عنها وعنه بها الكروب
رعى ورعتْ فلم تر قطّ منه ... ولم يَرَ قطّ منها مايريب
فغاضب زوجَها الخلطاءُ يوما ... بأمرٍ للخلاف به نشوب
فأقسم بالطلاق لهم يمينًا ... و تلك أليَّةٌ خطأ وحُوبُ
وطلقها على جهل ثلاثًا ... كذلك يجهل الرجل الغضوب
و أفتى بالطلاق طلاق بَتِّ ... ذوو فُتيا تعصّبهم عصيب
فبانت عنه لم تأت الدَّنايا ... ولم يعلق بها الذامُ المعيب
فظلت وهْي باكية تنادي ... بصوت منه ترتجف القلوب
لماذا يالبيبُ صَرَمْتَ حبلي ... وهل أذنبت عندك يا لبيب
أبِنْ ذنبي إلىَّ فدتك نفسي ... فإني عنه بعدئذ أتوب
لَئِن فارقتني وصددتَ عني ... فقلبي لا يفارقه الوَجيب
فأطرق رأسه خجلًا وأغضى ... وقال ودمعُ عينيه سكوب
لبيبةُ أقصرى عني فإني ... كفاني من لظى الندم اللهيبُ
وما والله هجرُك باختياري ... ولكن هكذا جرت الخطوب
فليس يزول حبك من فؤادي ... وليس العيش دونكِ لي يطيب [1]
4 -التأمل:
يتلاقح الفكر عند شعراء الوجدان بالإحساس الذاتي، وتموج الفكرة بين تداعيات التجربة الشعورية، وتتقارب الأفكار والواقع والرغبة الذاتية أو الخشية من بعضها وتتلاطم أمواجها في تأمل خيالي يقول الشاعر محمد سعيد السحراوي: -
كم تذكرتُ في الخيال غرامي ... وتخيَّلْتُ في المنام نعيمي
كم تناسيتُ في الخيال شكاتي ... وهمومي، وشِقوتي، وجحيمي
(1) شوقي ضيف، دراسات في الشعر المعاصر ص 63