وكان الإخْشيد يَصُون مجلسه أنْ يجري فيه لغط أو قبيح، ولقد تنازَع أبو بكر بن الحداد [1] الفقيه وأبو الذكر محمد القاضي المالكي، وعبدالله بن الوليد، وجري بينهم لغطٌ كثير، فلمَّا انصرَفُوا، قال: يجري هذا في مجلسي! كدت والله أنْ آمُرَ بأخْذ عَمائمهم [2] .
وقد سمع الإخْشيد بسيبويه المصري وأنَّه عالِمٌ في كلِّ فن، فطلب من غِلمانه أنْ يأتوا به، فعندما جاؤوا به، طلب الإخْشيد من أبي الحسن السامري، وكان ينقطع إلى الإخْشيد أنْ يسأل سيبويه: لِمَ تيَّه الله بني إسرائيل أربعين سنة دون ثلاثين ودون خمسين، فسأله فقال: نعم؛ إنما تيَّه الله بني إسرائيل عقوبةً، فجعلها أربعين سنة؛ لأنَّ الجسد يقبل الغذاء والنماء أربعين سنة، فإذا خلفها وراءه ردَّ الغذاء والنماء، فجعل الله أربعين سنة جزاء أربعين النَّعيم، فاستحسن الإخْشيد الجواب، وأمَر الوزير صالح بن نافع أنْ يُجرِي على سيبويه دِينارين لك شهر، فكان أبوه يقبضهما إلى أنْ مات، فظلَّ سيبويه يقبضهما إلى أنْ توفي صالح بن نافع سنة 340 هـ [3] .
وقد رُوِي أنَّه كان بعصر رجل يُعرَف بأبي القاسم بن عمرو بن نافع، وكان مشهورًا بعدله عند الشهود، وكان له ولدٌ يُكنى أبا جعفر يتفقَّه للشافعي، وكان أبو جعفر قد
(1) هو أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد بن جعفر الكناني المعروف بابن الحداد الفقيه الشافعي المصري، صاحب كتاب"الفروع"، وهو كتابٌ صغير الحجم عظيم الفائدة، وكان ابن الحداد قد أخَذ الفقه عن أبي إسحاق المروزي، وكان ابن الحداد فقيهًا محققًا غوَّاصًا على المعاني، تولى القضاء بمصر والتدريس، وكانت الملوك والرعايا تكرمه وتعظمه، وتقصده في الفتاوى والحوادث، وكان يقال في زمنه:"عجائب الدنيا ثلاث: غضب الجلاد، ونظافة السماء، والرد على ابن الحداد"، وكانت ولادته سنة 264 هـ، وتوفي سنة 345 هـ، وقد حدث عن أبي عبدالرحمن النسائي وغيره، وكان مُتصرِّفًا في علوم كثيرة: في القرآن، والفقه، والحديث، والشعر، وأيام العرب، والنحو، واللغة وغير ذلك، وقد حضر جنازته الأمير أبو القاسم أنوجور ابن الإخشيد، وكافور، وجماعة من أهل البلد، وتوفي وله تسع وسبعون سنة، وأربعة أشهر ويومان، والحداد بفتح الحاء المهملة، وتشديد الدال ثم دال بعد ألف، وكان أحد أجداده يعمل الحديد ويبيعه فنسب إليه، انظر: الحسن بن زولاق، أخبار سيبويه المصري، ص 66، وانظر: ابن خلكان، وفيات الأعيان، ج 2، ص 327.
(2) ابن سعيد، المغرب في حلى المغرب، ص 182، انظر: د. سيدة إسماعيل كاشف، مصر في عصر الإخشيديين، ص 112.
(3) الحسن بن زولاق، أخبار سيبويه المصري، ص 26، 27.