المبحث الثالث
السنن الربانية من الفهم إلى التسخير ومن الإدراك إلى التوظيف
فهم السنن الربانية خطوة من خطوات الانتفاع بها والاستفادة منها، وإذا كنا نقول في مجال الحكم على الأشياء: إن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فيمكننا أن نقول كذلك في ميدان السنن: إن فهمها طريق إلى تسخيرها وإدراكها سبب إلى توظيفها، وإلا فأنى لإنسان كائنًا من كان أن ينتفع بشيء لا يدرك كنهه ولا يسبر غوره، ولا يعرفه على حقيقته، من هنا فإن أوجب ما يجب على المسلمين أن يفهموا أولا سنن الله في الحياة والأحياء، وأن يتعاملوا معها بعد ذلك على هذا الأساس، فإن أكثر المسلمين اليوم لا ينقصهم إخلاص ولا ينقصهم إيمان بقدر ما ينقصهم من فهم واع لقضايا الدين وتصور معطياته حتى في المفاهيم العامة للكلمات: الدين - العبادة - الحرية - التجديد - الإصلاح ... إلخ. هذه المصطلحات ينقص المسلمين فيها الضوابط التي تتيح لهم فرصة الانتفاع بحقيقة هذه المفاهيم، ونعود فنقول: إن العلم بالسنن والتعرف عليها أول درجة من درجات حسن التعامل معها، وهذا ما يسميه فقهاء الدعوة وروادها (فقه السنن الإلهية) ، فأول شرط من شروط التعامل المنهجي السليم مع السنن الإلهية والقوانين الكونية في الأفراد والمجتمعات والأمم هو (أن نفهم أو نفقه فقهًا شاملا رشيدًا هذه السنن وكيف تعمل ضمن الناموس الإلهي، أو ما نعبر عنه بـ(فقه السنن) ، ونستنبط منها على ضوء فقهنا لها القوانين الاجتماعية والمعادلات الحضارية) [1] .
ومن هنا يقول الإمام البنا - رحمه الله - فيما يشبه الاختزالات العميقة للتجارب البشرية: (لا تصادموا نواميس الكون فإنها غلابة، ولكن غالبوها واستخدموها وحولوا تيارها، واستعينوا ببعضها على بعض، وترقبوا ساعة النصر وما هي منكم ببعيد) . [2]
ولقد رصد الأستاذ الشيخ البنا - رحمه الله - في هذه السطور القليلة حشدًا هائلا من القيم العالية والتوجيهات الرائعة التي هي بحق معالم وملامح لفقه السنن الربانية، ويمكن أن تستخرج من كلامه في فقه التعامل مع السنن الربانية هذه الخطوات:
أولا: عدم المصادمة.
(1) انظر: حول أساسيات المشروع الإسلامي لنهضة الأمة .. قراءة في فكر الإمام الشهيد حسن البنا، د. عبد الحميد الغزالي، ط دار التوزيع والنشر الإسلامية، بدون تاريخ.
(2) انظر مجموعة الرسائل، رسالة المؤتمر الخامس ص 115.