إِذًا أَبَدًا * وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلا * وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا [1] .
وكما هو واضح من سياق الآيات الكريمة أنها تتحدث عن جدل الإنسان المفرط الذي أصبح به موسومًا، فهم ممتنعون عن الإيمان والارتكان إلى الله - عز وجل - إلا إذا أتتهم السنة الماضية في الأمم التي سبقتهم أو يروا العذاب رأي العين، ثم توضح الآيات الكريمة أن وظيفة الرسل هي البشارة والنذارة، وأن جدل هؤلاء المجادلين ليس طلبًا للحق ولا بحثًا عن الرشد وإنما يجادلون ليدحضوا بجدالهم الحق، بدليل أنهم لو كانوا طلاب حقيقة لانتفعوا من الآيات والإنذار الذي أتاهم ولم يتخذوا ذلك كله هزوا أو سخرية.
ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: {مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللهُ لَهُ سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا} [2] . والسنة في هذه الآية الكريمة تعني الحكم النافذ والقدر المحتوم، والآية واردة في سياق الحديث عن زواج الرسول من زينب بنت جحش - رضي الله عنها - وأن أمر الله - سبحانه وتعالى- لرسوله بذلك ليس نقصًا له ولا حطًّا من قدره .. يقول ابن كثير - رحمه الله - عندما تناول الآية الكريمة: أي هذا حكم الله تعالى في الأنبياء قبله، لم يكن ليأمرهم بشيء وعليهم في ذلك حرج، وهذا رد (على) من توهم من المنافقين نقصًا في تزويجه امرأة زيد مولاه ودعيه الذي كان قد تبناه. «وكان أمر الله قدرًا مقدورًا» : أي وكان أمره الذي يقدره كائنًا لا محالة وواقعًا لا محيد عنه ولا معدل، فما شاء كان وما لم يشاء لم يكن) [3] . وقد ورد لفظ السنة كذلك في نفس السورة الكريمة وهي تعالج سدور المنافقين والذين في قلوبهم مرض والمرجفين في المدينة، وتهددهم بأن يغري الله تعالى بهم رسوله فلا يجاورون في المدينة إلا قليلا، وذلك في قوله تعالى: {لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلا * سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلا} [4] .
والآيات الكريمة توضح أن أخذ الله تعالى لهم ومعاقبته إياهم إذا لم ينتهوا نافذ نفاذ القانون الثابت والقدر المقدور، ويجري عليهم كما جرى على من قبلهم (فهذه سنته تعالى في المنافقين إذا مردوا على نفاقهم وكفرهم
(1) الإسراء: 54 - 59.
(2) الأحزاب: 38.
(3) انظر: تفسير القرآن العظيم، جـ 3 صـ 492، ط عيسى البابي الحلبي. وانظر في هذا المعنى الظلال جـ 5 صـ 2870.
(4) الأحزاب: 60 - 62.