آثار الفراق، تلك الآثار التي ربما لا يتحملها المكان / الربع، ولذلك أتى الشاعر بفعل الأمر الثاني - حيوا - بدلالته اللغوية على الحياة، ليؤكد أن التحية وإن كانت مما اعتاده الشعراء العرب في مثل هذه المواقف، إلا أنها تدل على ما يترتب عليها من الحياة لهذا الربع المشرف على الهلاك بسبب مشهد الرحيل هذا.
ولم يكن توظيف أوس للناقة والثور في هذه المشاهد وغيرها على أنهما المعادل الموضوعي له مقصورًا عليه وحده، أو على شعراء العربية وحدهم؛ لأن الثقافات الإنسانية المختلفة قد"وظفت الحيوان للتعبير بها ومن خلالها عن معتقداتها وأوهامها وهمومها وطموحها وآمالها وأحلامها" [1] وهذا ما يؤكد بدوره على الجذور الميثيودينية لصورة الثور في الشعر الجاهلي.
الذات والآخر في ثنائية الحياة/ الموت:
وإذا كان الثور قد مثل في الصورة الأوسية السابقة معادلًا موضوعيًّا للناقة، وكان كلاهما معادلًا موضوعيًّا للشاعر ذاته، فإننا نجد البقرة تؤدي الدور ذاته الذي قام به الثور عند أوس، حيث جاءت البقرة معادلًا موضوعيًّا للناقة عند زهير، وقد جاء بها في صورة رمزية تشف عن مشاعر إنسانية كبيرة نجح الشاعر في توظيفها دراميًّا من خلال هذه الصورة القصصية المفعمة بشيء من الملحمية الدرامية التي يهدف الشاعر من ورائها إلى تجسيد سرعة ناقته، جاعلًا البقرة مشبهًا به لهذه الناقة التي لا نجد لها ذكرًا منذ اللحظة الأولى التي شرع فيها في استخدام الصورة التشبيهية المتكئة على أداة التشبيه الكاف، وكأنه قد تناسى المشبه مثلما فعل أوس من قبل، ويمكن قسم صورة البقرة عند زهير إلى ثلاث لوحات، يقول في الأولى [2] [طويل] :
كَخَنْسَاءَ سَفْعَاءِ الْمَلاطِمِ حُرَّةٍ ... مُسَافِرَةٍ مَزْؤُودَةٍ أُمِّ فَرْقَدِ
غَدَتْ بِسِلاَحٍ مِثْلُهُ يُتَّقَى بِهِ ... وَيُؤْمِنُ جَأْشَ الْخَائِفِ الْمُتَوَحِّدِ
وَسَامِعَتَيْنِ تَعْرِفُ الْعِتْقَ فِيهِمَا ... إِلَى جَذْرِ مَدْلُوكِ الْكُعُوبِ مُحَدَّدِ
وَنَاظِرَتَيْنِ تَطْحَرَانِ قَذَاهُمَا ... كَأَنَّهُمَا مَكْحُولَتَانِ بِإِثْمِد
ويبدو تناسي المشبه في توجيه الطاقات الدلالية لهذه الأبيات نحو الوصف الشكلي للمشبه به حيث يظهره في صورة تؤكد التلازم بين هذه الأوصاف والحدث القصصي الذي سيشرع في سرده، فهي بقرة قصيرة الأنف، سوداء الخدين مذعورة كريمة الأصل أم لولد، ولها قرنان حادان تتقي بهما الأعداء، ويحققان لها الأمن والطمأنينة، ولها أذنان مرهفتا السمع كريمتان بجانب كعوب القرن المدلوكة المُلْس، وعيناها حديدتان تطردان القذى عنهما.
ونلحظ أن هذه اللوحة الوصفية الشكلية للناقة قد ركزت على الأدوات التي سوف تستعين بها في مواجهة الأزمة المزدوجة التي ألمت بها، وهذه الأدوات هي القرن الحاد، والسمع الذي يمنحها القدرة
(1) 215 - د/ محمد مفتاح: التلقي والتأويل مقاربة نسقية ص 173 - ط 2/ 2 .. 1 م المركز الثقافي العربي - الدار البيضاء.
(2) 216 - شعر زهير ص 181 - 182،خنساء: قصيرة الأنف، سفعاء: سوداء في حمرة، الملاطم: خديها، مزؤودة: مذعورة، فرقد: ولد البقرة، جذر: أصل، تطحران: ترميان