بقرنين حادين كأنه إنسان موتور، ومن ثم يتحقق له النصر ويفوز بالنجاة، ويفرح بها فرحة الفارس الشجاع المرزبان قد انتصر في معركة حامية الوطيس.
على أن دخول الثور في هذه اللوحة والتفصيل الوصفي لصورته من خلال ازدحام الصورة بالتشبيهات وانتصاره في هذه المعركة يثير أمرين متراتبين أولهما: أن هذه الصورة تؤكد على خاصتين فنيتين اتسم بهما شعر أوس وهما"ولعه بتفصيل صوره والعناية بكل فيها، ثم وقوفه بجانب الحيوان والانتصار له" [1] ، وثانيهما: أن انتصار الثور على الكلاب الممثلة للشر أو الموت يستدعي التوظيف الرمزي الأسطوري للثور الذي كان معبودًا مقدسًا عند السومريين والآشوريين والساميين والكنعانيين والفينيقيين والهنود والمصريين والعرب [2] وبناءً على هذا المعتقد الديني القديم كان لابد من انتصار الثور الممثل للإله وما يستدعيه من القوة والخلود، وقد نتج عن ذلك أن قصة هذا الثور قد كشفت"عن أبعادٍ جديدة تتصل بقصة الإنسان الخالدة في دورة الحياة والموت، واختلاف الفصول وقدسية الحيوان" [3] ولذلك كانت هذه النظرة الميثيودينية للثور الوحشي الإله القمر في صراعه مع الكلاب التي لها هي الأخرى مثيل سماوي في مجموعة من النجوم التي تُعرف بمجموعتي الكلب الأكبر والكلب الأصغر [4] وما ارتبط بهذا الصراع من"فكرة ثنائية الحياة / الموت هي جوهر تواجد صورة ثور الوحش في القصيدة الجاهلية" [5] ، وهو ما يعني أن وجوده فيها وجود رمزي لا واقعي.
وإذا كان الثور قد أُدخل في الصورة الأوسية على أنه المشبه به للناقة المنسية طوال هذه الأبيات التسعة الأخيرة، وكان الوجه الجامع بينهما هو السرعة، فإن الثور بهذا التصوير القصصي الذي بدا فيه مأزومًا مذعورًا من المحيط المحدق به بسبب الصياد وكلابه، هو المعادل الموضوعي للأزمة النفسية التي مرت بها الناقة التي وجدت خلاصها من هذه الأزمة بسرعة السير مثلما كان الثور مأزومًا بقصة الصراع بين الحياة والموت الذي واجهه وتغلب عليه.
على أن الناظر في قصيدة أوس قبيل الحديث عن الناقة والدخول بالثور في الصورة يدرك أن الناقة والثور كليهما معادل موضوعي للشاعر ذاته المأزوم بقضية ارتحال المرأة وما تركه ارتحالها على الربع من صورة العفاء والموات، وعليه من الهموم والحسرات التي أنتجها فراقها، يقول أوس مخاطبًا ركب المرأة المرتحلة [6] [بسيط] :
قَدْ قُلْتُ لِلرَّكْبِ لَوْلاَ أَنَّهُمْ عَجِلُوا ... عُوجُوا عَلَيَّ فَحَيُّوا الرَّبْعَ أَو سِيرُوا
ويستوقفنا فعل الأمر الأول - عوجوا - مع الجار والمجرور العائد على الذات الشاعرة، لندرك الرغبة الملحة في صدره على لقيا الركب المفارق، وكأنما يريد أن يستمد من أصحابه بعض العون على تحمل
(1) 2.9 - د/ سيد حنفي حسنين: الشعر الجاهلي: مراحله واتجاهاته دراسة نصية ص 121
(2) 21.- د/ مصطفى الشورى: الشعر الجاهلي: تفسير أسطوري ص 119 - 121.
(3) 211 - عبد الفتاح محمد أحمد: المنهج الأسطوري في تفسير الشعر الجاهلي ص 91.
(4) 212 - د/ نصرت عبد الرحمن: الصورة الفنية في الشعر الجاهلي ص 134 - 139.
(5) 213 - د/ محمد بلوحي: آليات الخطاب النقدي ص 156 اتحاد الكتاب العرب 2 .. 4 م
(6) 214 - ديوان أوس ص 4 ..