الصفحة 70 من 98

والمنكر، فلا. وهذا شيء يعرفه كل من شدا شيئًا من العلم بالأسانيد وفنون النقل والرواية؛ أو من أصول الدين وأصول الفقه.

والمسألة في صورة بينة ميسرة: أن هذا القرآن نقل إلينا نقل تواتر قطعي الثبوت؛ مرسومًا في المصاحف هذا الرسم العربي المعروف، رسمه حفاظه والقائمون عليه من أصحاب رسول الله، تحت سمعهم وبصرهم جميعًا، وحصرت طرق رسمه محدودة مفصلة في كتب القراءات وفي كتب خاصة بالرسم. ونقل إلينا أيضًا قراءاته الصحيحة موافقة لهذا الرسم نفسه، نقل تواتر قطعي الثبوت، أو على الأقل في بعضها القليل النادر نقلًا صحيح الإسناد برواية الثقات عن الثقات؛ نقل إلينا ذلك سماعًا ومشافهة، مبينًا فيه النطق وطرق الأداء [1] .

فكنا وكان الناس في هذا بين أمرين لا ثالث لهما: إما أن يكون الرسم هو الذي ثبت أولًا ثم جاءت هذه القراءات احتمالات فيه، يمثلها كل قارئ بما يرى أو بما يستطيع. وإما أن تكون القراءات هي الأصل ثم رسم الكتاب على الوجه الذي يمثلها كلها ويحتملها حتى لا يخرج عنه شيء منها.

أما المستشرقون ومن قلدهم من الجهلة الأغرار ممن ينتسب إلى المسلمين فذهبوا إلى الوجه الأول واختاروه ونصروه. أعني أنهم فهموا أن القرآن"يجب أن يكون على شكل واحد وبلفظ واحد"وأن هذا الشكل الواحد واللفظ الواحد رسم بهذا الرسم الذي من خصائصه أن الكلمة الواحدة"قد تقرأ بأشكال مختلفة تبعًا للنقط فوق الحروف أو تحتها، كما أن عدم وجود الحركات النحوية وفقدان الشكل في الخط العربي يمكن أن يجعل للكلمة حالات مختلفة من ناحية موقعها من الإعراب"وبنوا على ذلك أن هذا الرسم بما يحتمل في النقط والحركات"كان السبب الأول لظهور حركة القراءات فيما أهمل نقطه أو شكله من القرآن"كما قاله جولد زيهر في كتابه.

وليس لهذا الرأي وهذا الاستنباط معنى إلا شيء واحد: أن المسلمين، من الصحابة والتابعين فمن

(1) وأما ما يروى في بعض كتب التفسير والحديث عن بعض الصحابة وغيرهم من القراءات التي تخالف رسم المصحف، فإن ما صحت روايته منها إنما هو على سبيل التفسير للآية؛ لم يثبت على سبيل التلاوة، لأن أول شروط إثباتها أن توافق رسم المصحف. وهذا بديهي من بديهيات الإسلام المعلومة من الدين بالضرورة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت