الصفحة 68 من 98

تعنت أو جهل. إنما هو الحق البين المعلوم من الدين بالضرورة، من أنكره فإنما ينكر عن نفسه، وإنما يجني على نفسه، وحكم الإسلام فيه معروف؛ لا يحتاج إلى ذكر أو بيان.

أفيظن أحد أن المسلمين يكذبون علماءهم وقراءهم وحفاظ كتابهم الذين لا يحصيهم العد، طبقة طبقة إلى صحابة رسول الله؛ ثم يتبعون رجلًا بأنه نبغ في صناعة القانون الأفرنجي حتى نال أسمى منصب فيه، وبأنه وصل إلى مسند الوزارة؛ وبأنه وضع في غير موضعه: عضوًا في المجمع اللغوي؟! كلا ثم كلا! إن يتوهم بعض هذا إنما يلغي عقله، وإنما يلغي كل منطق وكل دليل.

ولعل الباشا رجع فيما تعرّف من القراءات وتوجيهها، لا إلى علم علماء الإسلام، ونقلهم ومؤلفاتهم، وإنما رجع إلى آراء المستشرقين ونظرياتهم في القرآن والقراءات فهم يرون أن كل علماء الإسلام وقراء القرآن كاذبون مفترون، اخترعوا هذه الروايات وهذه القراءات توجيهًا لما يحتمله رسم المصحف، تشكيكًا منهم في هذا الكتاب المحفوظ بحفظ الله، وتكذيبًا للوعد بحفظه وبأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وثأرًا من المسلمين باتهامهم بالتحريف، كما اتهم الذين من قبلهم بأنهم يحرفون الكلم عن مواضعه.

ونظرية المستشرقين أوضحها أحدهم، جولدزيهر اليهودي المجري في كتاب (المذاهب الإسلامية في تفسير القرآن) الذي ترجمه أخونا الأستاذ الشيخ علي حسن عبدالقادر ونشره في هذا العام ... (ص 3 - 4) قال:"وهذه القراءات المختلفة تدور حول المصحف العثماني، وهو المصحف الذي جمع الناس عليه خليفة المسلمين عثمان بن عفان؛ وأراد بذلك أن يرفع الخطر الذي أوشك أن يقع في كلام الله في أشكاله واستعمالاته. وقد تسامح المسلمون في هذه القراءات، واعترفوا بها جميعًا على قدم المساواة، بالرغم مما قد يفرض؛ من أن الله قد أوحى بكلامه كلمة كلمة، وحرفًا حرفًا. وأن مثله من الكلام المحفوظ في اللوح، والذي ينزل به الملك على الرسول المختار، يجب أن يكون على شكل واحد وبلفظ واحد. وقد عالج هذا الموضوع بتوسع نولدكه في كتابه (تاريخ القرآن) . والقسم الأكبر من هذه القراءات يرجع السبب في ظهوره إلى خاصية الخط العربي؛ فإن من خصائصه أن الرسم الواحد للكلمة الواحدة قد يقرأ بأشكال مختلفة، تبعًا للنقط فوق الحروف أو تحتها، كما أن عدم وجود الحركات النحوية وفقدان الشكل في الخط العربي يمكن أن يجعل للكلمة حالات مختلفة من ناحية موقعها من الإعراب. فهذه التكميلات للرسم الكتابي، ثم هذه"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت