بالنص الصريح ما هي تلك الفصحى التي نريدها جميعًا. أما أنا فلا أرى مثالًا للفصحى غير القرآن الثابت نصه بالتواتر. لغته هي وحدها المعنية لي عندما أذكر الفصحى. وأحدد أكثر فأقول: إن لغته المعنية لي هي ما تكون الأقيس والأسهل من وجوه قراءاته. فقراءة (إنّ هذين لساحران) هي المعنية لي دون (إنْ هذان لساحران) مثلًا"هذا نص كلامه بحروفه."
أرأيتموه أيها الناس وعرفتم دخيلته! إنه يأتي بالكلام الحلو المعسول فلا يرى"مثالًا للفصحى غير القرآن الثابت نصه بالتواتر"ثم يدس فيه ما يظن أنه يخفي على عامة المسلمين، بله خاصتهم؛ بله علماءهم، فيزعم أنه يتخير من قراءات القرآن ما يوافق هواه ويعرض عما عداه، موهمًا أن الثابت المتواتر هو ما حكى دون ما نفى. ولكنه يسقط في ذلك سقطة ما لها من قرار.
وذلك أن الآية التي جاء بها مثالًا لما يريد، وهي قوله تعالى في سورة طه: {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} رسمت في المصحف على هذا الرسم الذي رسمه أصحاب رسول الله واتفقوا عليه، وروي عنهم بالتواتر القطعي الثبوت رواية وكتابة، لم يرتب في ذلك مسلم قط"هذن"بدون ألف بعد الذال، ورويت القراءات فيها بالتواتر القطعي سماعًا من عهد رسول الله إلى عصرنا هذا الذي نحيا فيه. والقاعدة الغالبة في رسم المصحف أن تحذف الألف وأن تثبت الياء.
والقراءة التي يقرأ لها أهل بلادنا، قراءة حفص عن عاصم، في هذه الآية (إن هذان) بسكون النون في (إن) وبثبوت الألف وكير النون مخففة من غير تشديد في (هذان) ووافقه ابن محيصن وأبو حيوة والزهري وغيرهم من أئمة القراءة. ووافقه أيضًا ابن كثير ولكن شدد النون المكسور في (هذان) . وقراءة حفص ومن وافقه التي تقرأ في بلادنا هي التي يرفضها الباشا العالم العجيب، وينفي أن تكون مما ارتضى من"العربية الفصحى"وذلك أنه عسر عليه أن يدرك وجهها من العربية، وإن كان واضحًا ميسورًا.
وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر وحمزة والكسائي وأبو جعفر ويعقوب وخلف والحسن والأعمش وأبو عبيد وأبو حاتم وابن جرير الطبري وغيرهم"إنّ"بتشديد النون و"هذان"بالألف وتخفيف النون. وهذه القراءة نفاها معاليه أيضًا ضمنًا باختياره غيرها وإن لم يصرح بنفيها، ولكنها دخلت