ما حكموا على بعض حروفهم في القراءة بأنها خطأ، وقد يكون الناقد هو المخطئ ولكنه ينقد عن علم وحجة فلا عليه إن أخطأ. ولو كانت حروف القراء كلها متواترة تفصيلا كما يظن كثير من العلماء وغيرهم: لكان الناقد لحرف منها خارجًا عن حد الإسلام، ولم يقل بهذا أحد. والعياذ بالله من أن نرمي أمثالهم بهذا.
فمن أمثلة ذلك أن إمام المفسرين وحجة القراء أبا جعفر محمد ابن جرير الطبري رد قراءة حفص عن عاصم من السبعة ويعقوب من العشرة في قوله تعالى في سورة الحج (آية 25) : {سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} بنصب"سواء"؛ فقال في تفسيره (17/ 103) :"وقد ذكر عن بعض القراء أنه قرأ (سَوَاءً) نصبًا، على إعمال (جعلنا) فيه، وذلك وإن كان له وجه من العربية فقراءة لا أستجيز القراءة بها، لإجماع الحجة من القراء على خلافه"!.
وقد رد الطبري والزمخشري - وهما إماما العربية والتفسير - قراءة ابن عامر في قوله تعالى في سورة الأنعام (آية 137) : {وَكَذَلِكَ زُيّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلُ أَوْلادَهِمْ شُرَكَائهُمْ} فقال الطبري (8/ 33) :"وقرأ ذلك بعض قراء أهل الشام (وكذلك زُين) بضم الزاي (لكثير من المشركين قتلُ) بالرفع (أولادهم) بالنصب (شركائهم) بالخفض، بمعنى: وكذلك زُين لكثير من المشركين قتلُ شركائهم أولادَهم، ففرقوا بين الخافض والمخفوض بما عمل فيه من الاسم، وذلك في كلام العرب قبيح غير فصيح، وقد روي عن بعض أهل الحجاز بيت من الشعر يؤيد قراءة من قرأ بما ذكرت من قراءة أهل الشام، رأيت رواة الشعر وأهل العلم بالعربية من أهل العراق ينكرونه). وقال الزمخشري في الكشاف (2/ 42) :"وأما قراءة ابن عامر (قتلُ أولادَهم شركائِهم) برفع القتل ونصب الأولاد وجر الشركاء، على إضافة القتل إلى الشركاء، والفصل بينهما بغير الظرف: فشيء لو كان في مكان الضرورات - وهو الشعر - لكان سمجًا مردودًا، كما سمج ورد [زج القلوص أبي مزاده] فكيف به في الكلام المنثور! فكيف به في القرآن المعجز بحسن نظمه وجزالته!!"."