الصفحة 53 من 99

والجواب أنه: لا صعوبة بالنسبة للشق الثاني من هذا العمل، وهو زرع العضو في جسم المريض المتلقي، فهو يدخل في عداد الأعمال الطبية أو الجراحية المباحة بإذن الشرع وبإذن المريض إذا توافرت شروط الإباحة. ولكن الصعوبة كلها تكمن في الشق الأول من السؤال، ألا وهو استقطاع العضو من إنسان سليم غير مريض، فكيف يُباح شرعا مثل هذا العمل الذي لا تقتضيه ضرورة صحية عند الإنسان المستقطع من جسمه العضو؟

ويتفرع من هذا السؤال أسئلة كثيرة لا بد من الإجابة عنها وهي تتعلق بكيفية الحصول على هذه الأعضاء؟ هل يجوز للشخص أن يبيع شيئا من أعضاء جسده أو يتبرع بها؟ وما مدى سلطة الإنسان على جسده؟ أهي سلطة مطلقة أو مقيدة؟ وهل هناك فرق أن أستقطع هذا العضو من جسم الإنسان الحي أم من جثة الميت؟ وما هي الشروط التي نعتمد عليها للتحقق من الوفاة .. إلى غير ذلك من الأسئلة التي سنحاول أن نجيب عليها بإذن الله.

لقد عنيت الشرعة الإسلامية أيما عناية بحماية النفس البشرية فحرمت قتل النفس إلا بالحق، وقد جعل الشارع الحكيم أول ما يقضي فيه بين الناس يوم القيامة هو الدماء وتوعد مرتكب القتل بالعذاب إلى جانب العقوبة الدنيوية.

كذلك أولت الشريعة عنايتها بجسد الإنسان بعد موته، حماية له من عبث العابثين، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: كسر عظام الميت ككسره حيا"، الأمر الذي اقتضى حرمة نبث القبور وتهشيم عظام الموتى، كما خصصت كتب الفقه الإسلامي بابا خاصا للجنائز وآدابها، ومنه يظهر مدى حرمة المساس بالميت."

ومن هنا فإن الشريعة الإسلامية تأبى أن يعامل الإنسان معاملة الأموال أو دخوله في دائرة الأعمال التجارية، كما يحدث مع من يعلنون عن التبرع ببعض الأجزاء الآدمية مقابل مبلغ من المال.

بل إن كثيرا من الفقهاء حرم أن يتبرع الإنسان ببعض أعضائه لآخر إما لكرامة الإنسان، أو مخافة هلاك الإنسان المأخوذ منه العضو (المعطي) .

ولكن الفقه الإسلامي فقها عمليا يحرص على اتباع حاجات الإنسان المشروعة ولا يجب أن يقف حجر عثرة أمام تحقيق حاجات إنسانية تتفق مع المقاصد العامة للشرع، خاصة إذا كان هذا الانتفاع لا يتعارض مع كرامة الإنسانية.

ونستعرض فيما يلي أهم القضايا والحجج التي استند إليها الفقهاء في إجازة زراعة الأعضاء الآدمية:

أولًا: اتفق الفقهاء على أن لبن الآدميات باعتباره جزءا منفصلا عن جسم آدمي، يمكن الانتفاع به في الشرع لورود آيات بينات في هذا المعنى، وفي العرف لأنه مخصص بطبيعته للخروج من جسم المرأة لينتفع به غيرها.

أي إن الفقهاء أجازوا عقد الرضاعة كاستثناء تبرره ضرورة المحافظة على حياة الطفل، إذن فمبدأ عدم جواز التصرف في أجزاء الآدمي (الذي يقوم على كرامة الإنسان) يحتمل الاستثناء إذا وجدت ضرورة عند آدمي آخر تبرر هذا الاستثناء أي أن القضية ليست قضية مطلقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت