هذه الكلمة كسابقتها تزرع سوء الظن بين الناس، وتضعف المؤاخاة بين المؤمنين، فإن الخير في هذه الأمة إلى يوم القيامة، بل إن الناس عندهم أمثال أخرى تبطل هذا المثل، كقولهم:
صوابعك مش ذي بعضها -الدنيا بخير، ثم إن هذه الكلمة فيها محظور آخر، وهو قذف الناس بأنهم أولاد حرام وهذا لا يجوز، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور:23] ،
وفي"الصحيحين"أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"اجتنبوا السبع الموبقات ..."وذكر منهم:"... وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات".
هذه تشبه التي قبلها لما فيها من سوء الظن، وليس كل مَن أحسنت إليه يسئ إليك، بل الناس فيهم هذا وهذا، وبعض الناس قد يترك الإحسان خشية النكران متمسكًا بهذا المثل؛ لأن معناه كل مَن أحسنت إليه
سيسيء إليك، وأين هذا من قوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى} [النحل:90]
فعليك أن تفعل الخير في أهله وفي غير أهله، فإن كان من أهله فهم أهله، وإن كان من غير أهله فأنت من أهله.
وهذا هو الصواب؛ لأننا لو أخذنا بهذا الكلام فإنه سيحض كل مَن يفعل الخير مع الناس أن يترك هذا الخير ولا يحسن إلى أحد أبدًا، وكذلك قول البعض: اتق شر الحليم، فهذه أقوال خاطئة؛ لأن الحليم ليس شريرًا، والإحسان لا يتبعه شر، وهذا الكلام حض على اعتبار الشر في كل الناس حتى أهل الحلم منهم، وحض على البُعد عن الإحسان، مع أن فعل الخيرات لا يقصد به إلا وجه الله وحده.