يفيد الشمول والعموم في وصفه بكل خلق من الأخلاق العظيمة، ولم يوصف بهذا الوصف نبي قبله، و لا رسول. والإتيان بكلمة «على» المفيدة للاستعلاء والتمكن يدل على قوة تمكن محمد ? من هذه الأخلاق العظيمات، وأصالتها فيه بحيث لا يتصور انفكاكها عنه لحظة، أو وجود إشارة من عسر أو مشقة في الصرف بها أو عنها، ووصف هذا الخلق بأنه «عظيم» ومجيء هذا الوصف من «الله» سبحانه يجلي للمؤمنين سمو الخلق ونبله وكرمه وأريحيته ونبالته، فالذي يصفه بالعظمة هو الرب الخالق الذي علمنا البيان والحكمة. فكيف هو في بيانه وحكمته سبحانه؟!.
وتفصيلًا لقول الله سبحانه نذكر ما روي عن سعد بن هشام قال. سألت عائشة فقلت: أخبريني يا أم المؤمنين عن خلق رسول الله ?. فقالت أتقرأ القرآن؟ فقلت: نعم. فقالت: كان خلقه القرآن «مختصر من حديث طويل رواه مسلم في صحيحه من حديث قتادة بطوله» وقول عائشة كان خلقه القرآن مروي في غير مسلم. فقد ورد في مسند أحمد وسنن أبي داود والنسائي.
وتأمل ما جاء في البخاري ومسلم من قول أنس «خدمت [1] رسول الله ? عشر سنين، فما قال لي: أف قط، ولا قال لشيء لم أفعله ألا فعلته، ولا لشيء فعلته لم فعلته. وكان ? أحسن الناس خلقًا، ولا مسست خزًا ولا حريرًا، ولا شيئًا كان ألين من كف رسول الله ?، ولا شممت مسكًا ولا عطرا كان أطيب من عرق رسول الله ?. وجاء في البخاري عن البراء: كان رسول الله ? أحسن الناس وجهًا، وأحسن الناس خلقًا، ليس بالطويل ولا بالقصير» وروى أحمد عن عائشة قالت: «ما ضرب رسول الله ? بيده خادمًا له، ولا ضرب امرأة، ولا ضرب بيده شيئًا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله. ولا خير بين شيئين قط إلا كان أحبهما إليه أيسرهما حتى يكون إثمًا، فإذا كان إثمًا كان أبعد الناس من الإثم، ولا انتقم لنفسه من شيء يؤتى إليه إلا أن تنتهك حرمات الله، فيكون هو ينتقم لله عز وجل» .
وفي حديث متفق عليه عن كعب بن مالك. «كان رسول الله ? إذا سر استنار وجهه، حتى كأن وجهه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك» .
وفي حديث متفق عليه عن أنس قال: كنت أمشي مع رسول الله ? وعليه برد نجراني غليظ الحاشية،
(1) وشهادة الخادم لمخدومه بمثل هذا يدل دلالة قاطعة على سمو المشهود له بعظمة الخلق، فإنك لن تجد مخدوما ً في مثل هذه العظمة، ولا تجد خادمًا في مثل هذا الصدق والحب.