حرص علماء الجرح والتعديل على الاعتدال والإنصاف، وضربوا أروع الأمثلة في ذلك، حتى إن الواحد منهم كان يجرح ابنه أو أباه، أو صديقه أو أخاه، ولا يحابي في ذلك أحدًا، ولا تأخذه في الله لومة لائم، لأنه يعلم أنه أمر دين.
وما ذُكر مما يُخالف هذه القاعدة فهو قليلٌ نادر، وإنما ذكره العلماء ليُعرف ويُحْذَر، ولكن الأصل:
أن علماء الإسلام ونقّاد الحديث كانوا على جانبٍ كبيرٍ من الورع والخشية، والحذر من رمي البرآء بالعيب، أو محاباة الأقارب أو الأصحاب على حساب قواعد العلم، فانظر إلى إنصافهم لأهل البدع مثلًا، بمثل قولهم: ثقة قدري، ثقة رافضي، حدَّثني المُتَّهم في دينه، الصدوق في حديثه، ونحو ذلك، وانظر إلى تضعيف بعضهم لأبيه، أو ابنه، أو صديقه الذي يحبه، لكنه لا يحابيه، وذلك لأنه يدرك أن هذا العلم دين.
فضربوا في ذلك أروع الأمثلة، وإليك بعض الأمثلة الدالة على ذلك:-
1 -سُئل علي بن المديني عن أبيه فقال: سلوا عنه غيري، فأعادوا، فأطرق، ثم رفع رأسه فقال: هو الدين: إنه ضعيف [1] .
2 -وكان وكيع بن الجراح لكون والده على بيت المال لا يروي عنه منفردًا بل يقرن معه آخر [2] .
3 -قال أبو داود: ابني عبد الله كذاب [3] .
4 -قال الذهبي في ولده أبي هريرة: إنه حفظ القرآن ثم تشاغل عنه حتى نسيه [4] .
5 -وقال زيد بن أبي أنيسة: لا تأخذوا عن أخي [5] .
(1) الإعلان بالتوبيخ صـ: 68.
(2) الإعلان بالتوبيخ صـ: 68.
(3) الإعلان بالتوبيخ صـ: 68.
(4) الإعلان بالتوبيخ صـ: 68.
(5) مقدمة صحيح مسلم صـ: 27.