فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 91

وقد كان بين أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجلة العلماء عند الغضب كلامٌ هو أكثر من هذا، ولكن أهل العلم والفهم والفقه لا يلتفتون إلى ذلك؛ لأنهم بشرٌ يغضبون ويرضون، والقول في الرضا غير القول في الغضب، ولقد أحسن القائل: لا يُعْرَف الحكيم إلا ساعة الغضب [1] .

قال ابن الصلاح: وذلك لأن عين السخط تبدى لها مساوئ لها في الباطن مخارج صحيحة تعمى عنها بحجاب السخط، لا أن ذلك يقع منهم تعمُّدًا للقدح مع العلم ببطلانه، فاعلم هذا فإنه من النكت النفيسة المهمة [2] .

وقال السخاوي: ربما حصل غضبٌ لمن هو من أهل التقوى فبدرت منه بادرة، فحبك الشيء يعمي ويصم، لا أنهم مع جلالتهم ووفور ديانتهم تعمدوا القدح بما يعلمون بطلانه، حاشاهم وكل تقي من ذلك [3] .

وقد تكلَّم بعض الأقران في بعض ولم يحملهم على ذلك إلا مطلق الغضب وهذه أمثلة تبيِّن ذلك:

المثال الأول: فهذا أحمد بن صالح المصري أحد أئمة الحديث الحفاظ المتقنين الجامعين بين الفقه والحديث، وثَّقه البخاري، وأبو حاتم، ويعقوب الفسوي، والعجلي وغيرهم، واحتجَّ بروايته جميع الأئمة إلا النسائي، فقد كان سيِّئ الرأي فيه، وكان يتَّهمه ويقول فيه، فلقد ذكره مرةً فقال: ليس بثقةٍ ولا مأمون [4] .

ونقل في ذلك قول يحيى بن معين حينما سُئل عن أحمد بن صالح فقال: كذَّاب يتفلسف، رأيتُه يخطر في الجامع بمصر [5] .

(1) جامع بيان العلم وفضله صـ: 440.

(2) علوم الحديث لابن الصلاح صـ:390، وهذا كلامٌ نفيسٌ يستحق أن يُكتب بماء الذهب.

(3) فتح المغيث 3/ 274، 275.

(4) الضعفاء والمتروكون للنسائي صـ: 61 رقم: 69 من المجموع في الضعفاء والمتروكين دراسة وتحقيق عبد العزيز السيروان.

(5) اختلف العلماء في توجيه كلام يحيى في أحمد بن صالح فقال ابن عدى: كلام ابن معين فيه تحامل راجع: الكامل في الضعفاء لابن عدى 1/ 183، وقال ابن حبان: لم يُرد ابن معين أحمد بن صالح المصري وإنما قصد أحمد بن صالح الشمومي فأما هذا فهو يقارن ابن معين في الحفظ والإتقان الثقات 8/ 26، ورجَّح ابن حجر هذا القول راجع: تهذيب التهذيب 1/ 71.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت