تعَد القصة القصيرة جدًا، -أو ما يُعرف اختصارًا بـ"ق ق ج"- من أكثر الفنون الأدبية المعاصرة انتشارًا - على الرغم من عمرها القصير-، وأكثرها إثارة للأسئلة، وأقدرها على التعبير عن هموم الحياة اليومية، رغم حَجْمها القصير؛ نظرًا لتوسلها بجُملة من التقنيات الفنية والأسلوبية، التي تعين القاص على تكثيف المعنى واختزاله في نص قصير جدًا، لكنه ينبض بالحياة، ويزخر بالمعاني والدلالات، التي يقصِد إليها القاص؛ لأنه ليس كل نص قصير الحجم اعتمد الإيجاز والاختصار يُعَدُّ"قصة قصيرة جدًا؛ كما قد يتوهم البعض، بل إن الذي يحدد هوية النص وانتماءه إلى فن القصة القصيرة جدًا، هو لغته الشعرية المكثفة، إلى جانب الأركان والخصائص الجمالية، وكذا التقنيات الفنية والأسلوبية التي يتكئ عليها القاص في نسج خيوط نصه القصصي، والتي تؤهله بالتالي ليكون قصة قصيرة جدًا. بيد أن الغاية هذه لا يمكن أن تتحقق إلا إذا كان الكاتبُ مُتمكنًا من فنّ السرد وتقنيات الكتابة القصصية، وذا خبرة بمجال السرد وعوالمه ودروبه؛ لأن القصة القصيرة جدًا من الفنون الصعبة، عكس ما قد يتوهم البعض. ولهذا، فإن الناظرَ في ما يُنشَرُ باسم القصة القصيرة جدًا، اليومَ، يُلاحِظ أن عددًا من الكتابات لم يُوفق فيها أصحابها، ولم ترق إلى مستوى هذا الفن، والبعض الآخر جاءت نصوصهم عبارة عن خواطر ومعلومات بأسلوب مباشر أقرب إلى السيرة الذاتية أو الإنشاء منها إلى القصة القصيرة جدًا."
ومن هنا، فإن الرأيَ القائل بأن القصة القصيرة جدًا جاءت استجابة لعصر السرعة - على الأقل - يجبُ أن يُفهَم على نحْوٍ صحيح؛ لأنه يُغْري غير المتمكنين في هذا المجال، ويجعلهم يظنون بأنه في استطاعتهم كتابة القصة القصيرة جدًا بين عشية وضحاها، دون أن تكون لهم علاقة وطيدة بالسرد من قريب أو من بعيد. وهو قول نعتبره - على كل حال - يَنتقص من قيمة هذا الجنس الأدبي أكثر مما يمتدحه؛ لأننا حين نتأمل هذا الكلام جيدًا نجده لا