ورغم أن الأخذ بالمعيار المضموني، ظل غالبا في عملية تصنيف الرواية مثلا، رغم وجود شبكة تصنيفية غير متفق عليها؛ فالتساؤل عن مدى مشروعية التجنيس وفقا للمقاربة المضمونية، والتشكيك في مشروعيته ظلت واردة، فـ «المقاييس غير متجانسة ومتعلقة بذاتية تقويم ثيمي أكثر مما هي متعلقة بملاحظة عناصر تكوينية النص» [1] ، خصوصا وأن نمذجة الإبداع الروائي ذي الطابع الشعري، تنبني على «ملفوظ سردي، ملفوظ وصفي، ملفوظ خطابي، ملفوظ شفهي» [2] .
ولهذا فـ) الكتابة عبر النوعية (بدلا من) النص المعروض على الأنواع ( «تعبير عن الحدود بين الأجناس المطروقة تتخطاها وتشتمل عليها، وتتخذ لنفسها جدة تتجاوز مأثورات التاريخ الأدبي وتتحدى عمقها» [3] ؛ ممايفرز جدة في الكتابة التي تصبح في الآن نفسه، مسرحا وقصة وشعرا، متضمنة للموسيقى والتصوير والسينما.
ولهذا يرجع تداخل الأجناس واحتواء جنس واحد كـ"الرواية"لأجناس أخرى وإلى الطبيعة البنيوية التاريخية العميقة للرواية الحديثة التي أتاحت لها إمكان احتواء مختلف الأشكال التعبيرية الأدبية والمعرفية الأخرى من شعر وقصة ومسرح وفكر وفلسفة، ومنجزات علمية وتكنولوجية ومكتشفات جغرافية وطبيعية وكونية ولغات وحوارات وأساطير وملاحم وسير شعبية ومقامات، متمثلة إياها داخل بنيتها الأدبية الزمنية الخاصة، واستطاعت فضلا عن ذلك أن تفيد من عدة خبرات وتقنيات فنية أخرى في مجال الفنون التشكيلية، وفي مجال الفن السينيمائي خصوصا، كما أمكنها أن تفيد من أحداث التاريخ الفعلي الواقعي للأفراد والمجتمعات والشعوب والأحداث الإنسانية العامة قديمها وحديثها، سواء كانت إفادة إبداعية متخيلة، أو إفادة تسجيلية مباشرة من بعض الوقائع والأحداث التاريخية؛ فتمثلها في بنيتها الأدبية والإبداعية الخاصة يجعلها لا تظل مجرد تاريخ؛ وبذلك أضحت الرواية الحديثة تتميز بشكلها البنيوي المفتوح على إمكانات تشكيلية إبداعية ليس لتنوعها حد؛ فتكاد تصبح الوعي الإبداعي بنسيجها العميق المتشابك لخبراتها الإنسانية التاريخية المعاصرة في خصوصياتها وعمومياتها [4] .
ومع تنو ع الأجناس الأدبية وتعددها؛ يبقى تناول الرواية تناولا لنمط غني ينسج معطيات
(1) ـ إدوارد الخراط"الكتابة عبر النوعية،"مقالات في ظاهرة القصة القصيرة"ص 28."
(2) ـ إدوارد الخراط"المرجع نفسه"ص 28.
(3) ـ إدوارد الخراط"الكتابة عبر النوعية،"مقالات في ظاهرة القصة القصيرة"ص 13."
(4) ـ ينظر محمود أمين العالم"الرواية بين زمنيتها وزمنها"ص 16.