وهي: الاستهانةُ والتحقيرُ والتنبيه على العيوب والنقائصِ على وجهٍ يُضحك منه، وقد يكون بالمحاكاةِ في الفعل والقول، وقد يكون بالإشارةِ والإيماء، وإذا كان بحضرة المستَهْزَأ به لم يسمَّ ذلك غِيبةً، وفيه معنى الغِيبة؛ (الإحياء: 3/ 176) .
أولًا: النهي عن السُّخْرِية في القرآن الكريم:
1 -قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الحجرات: 11] .
قال الحافظ رحمه الله:"إن مَن فَعَل إحدى الثلاث: السُّخْرِية - النبز - اللَّمز، استحقَّ اسمَ الفسوق، وهو غاية النَّقص بعد أن كان كاملَ الإيمان".
ومجمل القول: أن الله عز وجل قد نهى المؤمنين أن يسخر أحدُهم من أخيه؛ لفقرٍ نزل به، أو لذنبٍ ارتكبه، وألا يتنابزوا بالألقاب.
-ويُفهم من الآية أن السَّاخر يكون دائمًا أقلَّ شأنًا ممَّن يَسخر منه، حتى وإن كان الساخر أرفع شأنًا ممَّن يسخر منه، فقد هبط بسخريتِه وانخفض عنه منزلةً عند الله.
-قال الطبري رحمه الله في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ ... } الآية:"إن الله عمَّ - بنهيه المؤمنين عن أن يَسخر بعضُهم من بعضٍ - جميعَ معاني السُّخْرِية، فلا يحلُّ لمؤمنٍ أن يسخر من مؤمن؛ لا لفقرِه، ولا لذنبٍ رَكِبَه، ولا لغير ذلك"؛ (تفسير الطبري: 11/ 83) .
وقال الطبري رحمه الله أيضًا في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ ... } الآية:"يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدَّقُوا اللهَ ورسولَه، لا يهزأ قومٌ من قومٍ مؤمنين؛ {عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ} ؛ أي: المهزوء منهم خيرٌ من الهازئين، {وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ} ؛ أي: ولا يهزأ نساءٌ مؤمناتٌ من نساءٍ مؤمنات، عسى المهزوء منهنَّ أن يكنَّ خيرًا من الهازئات"؛ (تفسير الطبري: 11/ 83) .
وقال القرطبي رحمه الله عند قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ ... } الآية:"وبالجملة فينبغي ألاَّ يجترئ أحدٌ على الاستهزاء بمَن يقتحمه بعينه إذا رآه رثَّ الحال، أو ذا"