المطلب الخامس
الأصل الخامس في أنصبة الشهادة: شهادة الإرضاع (شهادة امرأة واحدة) :
تثبت شهادة الإرضاع بشهادة المرأة الواحدة، وقد دلت عليه السنة، فيما أخرجه البخاري [1] من حديث عقبة بن الحارث قال: تزوجت امرأة، فجاءتنا امرأة سوداء، فقالت: إني قد أرضعتكما، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: تزوجت فلانة بنت فلان، فجاءتنا امرأة سوداء، فقالت: إني قد أرضعتكما، وهي كاذبة، قال: فأعرض عني، قال: فأتيته من قبل وجهه، فأعرض عني بوجهه، فقلت: إنها كاذبة، قال:"وكيف بها، وقد زعمت أنها قد أرضعتكما، دعها عنك".
ولعل من اللطائف الاستدلال على جواز الحكم بشهادة الواحد بقوله تعالى: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ} ، [2] (فهو وإن كان ملفت النظر إلى القرنية في شق القميص، إلا أنه شاهد واحد) . [3]
دلالة الحديث:
(في هذا الحديث من الأحكام: قبول شهادة العبد، وقبول شهادة المرأة وحدها، وقبول شهادة الرجل على فعل نفسه؛ كالقاسم والخارص والحاكم على حكمه بعد عزله) . [4]
وقد دل على ذلك أيضًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز شهادة الواحد لأبي قتادة بقتل المشرك، ودفع إليه سلبه، وأجاز شهادة خزيمة بن ثابت وحده في مبايعته صلى الله عليه وسلم مع الأعرابي، أخرجه أبو داود، [5] وترجم له: (باب: إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد يجوز له أن يحكم به) .
مسائله:
وقد اتفق أهل العلم في الجملة [6] على قبول شهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرهن، مثل الرضاع، والولادة، والحيض، والعدة، وما أشبهها، قال الزهري: مضت السنة أن تجوز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرهن من ولادات النساء وعيوبهن، وتجوز شهادة القابلة وحدها في الاستهلال، وامرأتان
(1) . أخرجه البخاري باب/شهادة المرضعة 5/ 1962.
(2) . سورة يوسف/26.
(3) . تفسير أضواء البيان 8/ 423.
(4) . الطرق الحكمية/189.
(5) . سنن أبي داود 2/ 332.
(6) . المغني 12/ 16، والمبسوط 19/ 207.