الصفحة 8 من 68

بوظائفها وتضيق عما فوقها تشهد بذلك العوائد المعروفة والأحوال المألوفة ثم أن مثل هذه الجيوش البالغة إلى مثل هذا العدد يبعد أن يقع بينها زحف أوقتال لضيق مساحة الأرض عنها وبعدها إذا اصطفت عن مدى البصر مرتين أوثلاثًا أوأزيد فكيف يقتتل هذان الفريقان أوتكون غلبة أحد الصفين وشيء من جوانبه لا يشعر بالجانب الآخر والحاضر يشهد لذلك فالماضي أشبه بالآتي من الماء بالماء. [1] ""

يتبين لنا، من هذه القولة، أن ابن خلدون يعتبر علم التاريخ فنا جم الفائدة أوعلما من أشرف العلوم وأسماها؛ والسبب في ذلك أنه يعرفنا بأحوال الأمم والدول وطبائع المجتمعات، ويساعدنا على فهم تطور المجتمعات الإنسانية في ماضيها وحاضرها ومستقبلها. ومن ثم، فالتاريخ هوأساس علم الاجتماع أوعلم العمران البشري، أوهوالذي يسعفنا في معرفة المجتمع وتفسيره بشكل جيد، في ضوء مجموعة من القواعد العقلية والفلسفية والأصولية، كاستخدام الذهن والفكر والقياس والاعتبار بأحداث الماضي بغية بناء الحاضر، والاستعداد لاستشراف المستقبل.

وما يدعوإليه ابن خلدون هوتنقيح الأخبار والروايات التاريخية، واستخدام العقل والتأمل في عملية النقل، وافتحاص المرويات في ضوء علم الجرح والتعديل، وسبر تلك الروايات وضبطها بناء على مقاييس المقارنة والمنطق والواقع. لذلك، انتقد ابن خلدون المؤرخين السابقين الذين كانوا ينقلون الأخبار الكاذبة، دون فحصها أونقدها أوغربلتها أوتقويمها بطريقة علمية نزيهة، كما هوحال المسعودي والبكري وكثير من المؤرخين والمفسرين الآخرين الذين استسلموا للترهات والأباطيل والإسرائيليات والخزعبلات، ينقلونها في

(1) - ابن خلدون: مقدمة ابن خلدون، ص: 9.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت