الصفحة 10 من 46

أما قضايا الاشتراكية والشيوعية والنازية والفاشية التي سحرت ألباب المخدوعين فقد عكف الباحث الضليع محمد إقبال على دراستها ليصدر حكمه ببهرجتها الزائفة وليحصر الحل الأمثل في هداية الإسلام، وقد قال أحد المستشرقين: «إن تأثير إقبال بقذائفه الصائبة يفوق تأثير جيش مدجج بالسلاح، لأنه مع عاطفته الحارة كان مسلحا بالمنطق الصارم» .

الألق الزائف!

محمد إقبال الذي عرف الغرب ومجتمعاته وحضارته جيدًا، لم يبهره ذلك الألق الزائف، وكان خلال إقامته في أوربا كثير التحدث والمحاضرة عن الحضارة الإسلامية، ولذلك فإنه إذ يأخذ بطرف من أطراف الحوار بين الغرب والشرق فإنه يملك الأدوات التي تجعله محاورًا عارفًا. يقول قبل عودته إلى الهند:

«يا ساكني ديار الغرب. ليست أرض الله حانوتًا. إن الذي توهمتموه ذهبًا خالصًا سترونه زائفًا، وإن حضارتكم ستبعج نفسها بخنجرها؛ إن العش الذي يبنى على غصن دقيق لا يثبت»

الحوار الذي بدأه يوهان فلفانج فون جوته (1749 ـ 1832) بين الغرب والشرق في ديوانه الغربي ـ الشرقي، المفعم بالرموز والصور الشرقية والأفكار الغربية رد عليه محمد إقبال في ديوانه بيام مشرق (رسالة المشرق) . وكان بمثابة استمرار للحوار الثقافي بين الشرق والغرب، وأهمية إقبال لا تقتصر على كونه داعية إلى تجديد الفكر الديني في الإسلام فحسب، وإنما تعود إلى كونه المحاور الثقافي الذي اطلع على فكر الغرب، ويقف بثبات في الطرف الآخر الشرقي من خط التحاور.

ومحمد إقبال كان المؤهل أكثر من غيره لقيادة هذا الحوار. يقول عنه الشاعر الألماني هيرمان هيسه (1877 ـ 1968) في تقديمه لترجمة آنا ماري شيمل لمنظومة إقبال الرائعة «جاويد نامة» (رسالة الخلود) :

«ينتمي محمد إقبال إلى ثلاثة أحياز روحية هي منابع آثاره العظيمة، وهي: حيز القارة الهندية، وحيز العالم الإسلامي، وحيز الفكر الغربي. إنه كمسلم كشميري الأصل، مثقف بالقرآن وبالفدانتا (كتاب التعاليم الأصلية القديمة لدين الهند الأساسي) وبالتصوف الفارسي العربي، وفي نفس الوقت متأثر بالفلسفة الغربية وقضاياها، عارف ببرجسون ونيتشة، يقودنا في ممرات لولبية ترتفع شيئًا فشيئًا داخل مناطق عالمه الخاص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت