وأيّ رجل احتج به البخاري في"صحيحه"في الأُصول فقد جاوز القنطرة فلا اعتداد بطعن من طعن فيه داخل الصحيح، وأمَّا خارج الصحيح فقد يكون من احتج به البخاري ومسلم ضعيفًا.
وقول السَّقَّاف: (وشريك فيه مقال) .
أقول: كثير من الرواة لا يسلم من مقال، ولكن الشان هل يصيره هذا المقال ضعيفًا أم لا؟ ولو أن كل رجل فيه مقال يكون ضعيفًا لما سلم لنا إلا شيء قليل من الرجال. وشريك بن عبدالله بن أبي نمر تابعي خرج له الشيخان وغيرهما، وتخريج الشيخين له ممَّا يقوي أمره لأنهما قد اشترطا الصحة. وقد قال ابن معين والنسائي في شريك: (ليس به باس) . ووثقه ابن سعد، وقال ابن عدي: (إذا روى عن ثقة فلا باس بروايته) [1] .
والراوي عنه في هذا الحديث سليمان بن بلال من رجال الستة، وثقه أحمد، وابن معين، وغيرهما.
وبه تعلم أن شريك بن عبدالله يحتج بحديثه، وقد طعن بعض العلماء في ألفاظ انفرد بها شريك، ولكن هذا لا يدل على ضعفه، إلا إذا خالف الثقات، فهنا يطرح تفرده؛ لأنه يخطئ. أما إذا روى حديثًا لم يخالف فيه فقبوله متعين، والقدح فيه تحم بغير دليل.
والحاصل: أن الحديث صحيح لا علة فيه، وتصحيح السَّقَّاف لحديث (( من عادى لي وليًا ) )، وتضعيف لفظ: (( التردد ) )قول صادر عن فساد عقيدة، وسوء فهم؛ لأنه لما لم يفهم معنى التردد ضعفه، وإلا فتصحيح أوله وتضعيف آخره بغير دليل: ظاهر البطلان. ومنه يعلم ما قلنا في سبب تضعيف السَّقَّاف للفظ (( التردد ) ).
هذا وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عن معنى: (( تردد الله ) )؛ فأجاب رحمه الله تعالى كما في"الفتاوى": (18/ 129 - 130) : (هذا حديث شريف قد رواه البخاري من حديث أبي هريرة، وهو أشرف حديث رُوي في صفة الأولياء، وقد ردَّ هذا الكلام طائفة، وقالوا: إن الله لا يوصف بالتردد، وإنما يتردد من لا يعلم عواقب الأُمور، والله أعلم بالعواقب، وربما قال بعضهم: إن الله يعامل معاملة المتردد. والتحقيق: أن كلام رسوله حق، وليس أحد أعلم بالله من رسوله، ولا أنصح للأُمة منه، ولا أفصح ولا أحسن بيانًا منه، فإذا كان كذلك كان المتحذلق والمنكر عليه من أضل الناس وأجهلهم وأسوئهم أدبًا، بل يجب
(1) انظر:"الكامل" (4/ 1321)