في سورة الأعراف، وهود، والشعراء: (وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ) فمن تكلم في أخيه بظلم وجور، فقد خالف قول الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) . ومن تكلم في أخيه بغير علم فقد خلف قوله تعالى: (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا) . فالكلام في الناس بدون علم يزيد الأمة تفرقًا وتكتلًا وتشرذمًا وشحناء وبغضاء وحسدًا وبغيًا بل هو: سبب الفشل وذهاب وحدة الصف وقوته، ولا أعني بهذا التنازل عن التصحيح، ولا السكوت عن المنكر والمبتدعة، لأن حال الإسلام والمسلمين لا يصلح إلا بها، والذي عنيته أن الناقد ينبغي أن يكون على (منهاج أهل السنة والجماعة في النقد والحكم على الآخرين) ، وأن يكون الكلام مفتقرًا إلى (وزن بالعدل والورع) [1] وهناك أمثلة كثيرة على ذلك في (السير) منها: قال الذهبي عن عبد الوارث بن سعيد في (السير 8/ 301) : (وكان عالمًا مجودًا، ومن أهل الدين والورع، إلا أنه قدري مبتدع) . وقال عن الحكم بن هشام: (وكان من جبابرة الملوك وفساقهم، ومتمرديهم، وكان فارسًا شجاعًا، فاتكًا ذا دهاء وعتو وظلم، تملك سبعًا وعشرين سنة -8/ 254) . وعن الواقدي: (والواقدي وإن كان لا نزاع في ضعفه، فهو صادق اللسان كبير القدر -7/ 142) . وعن المأمون الذي تبنى فتنة خلق القرآن وامتحن علماء أهل السنة بذلك: (وكان من رجال بني العباس حزمًا وعزمًا، ورأيًا، وعقلًا، وهيبة، وحلمًا، ومحاسنه كثيرة في الجملة -10/ 273) . وقال عن الجاحظ الأديب المعتزلي: (العلامة المتبحر ذو الفنون. وكان أحد الأذكياء .. وكان ما جنا قليل الدين، له نوادر -11/ 256) وعن قرة بن ثابت: (الصابئ الشقي، الحراني، فيلسوف عصره، وكان يتوقد ذكاء -13/ 285) وعن أحمد السرخسي: (الفيلسوف البارع، ذو التصانيف أبو العباس أحمد بن الطيب. من بحور العلم الذي لا ينفع -13/ 448) وقال في ترجمة الخياط المعتزلي: (شيخ المعتزلة البغداديين، له ذكاء مفرط، والتصانيف المهذبة، وكان من بحور العلم، له جلالة عجيبة عند المعتزلة -14/ 220) وعن ترجمة الجبائي: (وكان أبو علي -على بدعته- متوسعًا في العلم، سيال الذهن، وهو الذي ذلل الكلام وسهله، ويسر ما صعب منه -14/ 183) . وعن ترجمة ابن العميد: (كان عجبًا في الترسل والإنشاء والبلاغة، يضرب به المثل، ويقال له: الجاحظ الثاني، وقيل: بدئت الكتابة بعبد الحميد وختمت بابن العميد. وكان مع سعة فنونه لا يدري ما الشرع، وكان متفلسفًا، متهمًا بمذهب الأوائل -16/ 137) . وعن الشريف المرتضى: (وكان من أذكياء الأولين، المتبحرين في الكلام والاعتزال، والأدب، والشعر، لكنه إمامي جلد، نسأل الله العفو -17/ 589) . وهناك أمثلة كثيرة غير هذه، ومن أراد الاستزادة فعليه
(1) انظر: (سير أعلام النبلاء) (8/ 448) .