الصفحة 14 من 59

سبيلًا. نعلم أن اليوكيين وأمثالهم من أصحاب الرياضات يسلكون طريقهم إلى الشقاء على يد شيخ يدلهم على طلبتهم، ولكن حقيقة ما يصلون إليه تجدها عند من علمهم الله من لدنه علمًا وأعطاهم رحمة. يقول السيد عبد العزيز الدباغ: وأما أهل الحق فلهم فتح في أول الأمر وفي ثاني الأمر، أما الفتح [1] في أول الأمر فجميع ما سبق فتحه لأهل الظلام في هذا العالم سمائه وأرضه. فيشاهد صاحب الفتح الأرضين السبع وما فيهن، والسماوات السبع وما فيهن [2] ويشاهد أفعال العباد في دورهم وقصورهم، لا

(1) وقد شرح هذا الفتح المزعوم صاحب (جواهر المعاني) (2/ 56/57/ 119) فقال: (فإن الفتح هو زوال الحجب الحائلة بين العبد وبين حضرة القدس، وهي مائة ألف حجاب وخمسة وستون ألف حجاب(165000) . وزوال هذه الحجب بأسرها هو الفتح ... وحقيقة الفتح هو ما بزغ عن الغيب عن زوال حجاب بعد حجاب). انظر: (تقديس الأشخاص) (1/ 60) .

(2) يقول صاحب (جواهر المعاني) (2/ 89) : (يقول بعض الكبار: إني أرى السماوات السبع والأرضين السبع والأرضين السبع والعرش داخلًا في وسط ذاتي، وكذا ما فوق العرش من السبعين حجابًا، وفي كل حجاب سبعون ألف عالم، وبين كل حجاب وحجاب سبعون ألف عالم ... وكذا ما فوق الحجب السبعين من عالم الرقّا -يطلق الصوفية(عالم الرقا) على ما فوق الحجب السبعين -فكل هؤلاء المخلوقات لا يقع في فكرهم شيء فضلًا عن جوارحهم إلا بإذن صاحب الوقت، أعني به: القطب. قال راوي (الجواهر) معلقًا: (وهذه المرتبة أعطاها الحق له -يعني: للتجاني -لكونه خليفة عنه) . ويقول التجاني في (الجواهر) (2/ 88) : (الخليفة له التصرف العام والحكم الشامل التام في جميع المملكة الإلهية، وله بحسب ذلك الأمر والنهي، والتقرير والتوبيخ، والحمد والذم على حسب ما يقتضيه مراد الخليفة سواء كان نبيًا أو وليًا مستوون في هذه المرتبة) . فالتجاني يزعم أنه يتصرف في الكون التصرف العام، ويحكم فيه الحكم الشامل التام في جميع الكون، وأن له الأمر والنهي، والتقرير والتوبيخ، والحمد والذم، ولا فرق بينه وبين الأنبياء!! وقال ابن عربي بعد أن ذكر مقام القطبية في (الفتوحات المكية) (3/ 257) : (ولأصحاب هذا المقام التصريف والتصرف في العالم) . وقال الشعراني في (اليواقيت) (2/ 83) : (إن الله تعالى جعل هذه الأرض التي نحن عليها سبعة أقاليم، واصطفى من عباده المؤمنين سبعة سماهم الأبدال، وجعل لكل بدل إقليمًا يمسك الله وجود ذلك الإقليم به) . وسأل الشعراني شيخه الخواص قائلًا: (فهل يختص القطب بكونه لا يكون إلا من أهل البيت؟ فقال: لا يشترط ذلك، ولعل من اشترط ذلك كان شريفًا فتعصب لنسبه -درر الغواص ص:96) . ويقول الخواص: (قلب القطب دائمًا طواف بالحق الذي وسعه كما يطوف الناس بالبيت، فهو ... وجه الحق تعالى في كل وجهة كما يستقبل الناس البيت ويرونه من كل جهة، إذ مرتبته ... التلقي عن الحق تعالى جميع ما يفيضه على الخلق -وهو بجسده حيث شاء الله من الأرض. واعلم أن أكمل البلاد البلد الحرام، وأكمل البيوت البيت الحرام، وأكمل الخلق في كل عصر القطب، فالبلد نظير جسده والبيت نظير قلبه -الطبقات الكبرى 2/ 139) . وقال أبو العباس المرسي: (لو كان الحق سبحانه وتعالى يرضيه خلاف السنة لكان التوجه في الصلاة إلى القطب الغوث أولى من التوجه إلى الكعبة -الطبقات 2/ 13) . ينقل ياسين في كتابه (الإحسان) (1/ 213/229) ، عن ابن عبد السلام أن: (من لا شيخ له لا قبلة له، ومن لا شيخ له فالشيطان شيخه) ثم قال: (الشيخ إذن أكثر من إمام الصلاة، بل هو قبلة وحاضنة مغذية .. عليك بنا! صحبتنا تَرياق مجرب، والبعد عنا سم قاتل. أي: محجوب! تزعم أنك اكتفيت عنا بعلمك! ما الفائدة من علم بلا عمل؟ ما الفائدة من عمل بلا إخلاص؟ من ينهض بك إلى العمل؟ من يداويك من سم الرياء؟ من يدك على الطريق القويم بعد الإخلاص؟ (. وقال أيضًا:(واعلم أن مع الشيوخ أو أن ارتضاع وأوان فطام، وقد سبق شرح الولادة المعنوية، فأوان الارتضاع أوان لزوم الصحبة. والشيخ يعلم وقت ذلك، فلا يأذن الشيخ للمريد في المفارقة إلا بعد علمه بأن آن له أوان الفطام، ومتى فارق قبل أوان الفطام يناله من الأعلال في الطريق بالرجوع إلى الدنيا ومتابعة الهوى ما ينال المفطوم لغير أوانه في الولادة الطبيعية. قال: الطالب الصادق إذا دخل في صحبة الشيخ، وسلّم نفسه، وصار كالولد الصغير مع الوالد، يربيه الشيخ من العلم المستمد من الله) . وتأملوا قوله: (من العلم المستمد من الله) . فإن سمعوا (أحدًا يروي حديثًا قالوا: مساكين أخذوا حديثهم ميت عن ميت، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت. فمن قال حدثني أبي عن جدي قلت: حدثني قلبي عن ربي) . انظر: (فضائح الصوفية) (ص:35) قال أبو يزيد: (ليس العالم من يحفظ من كتاب فإذا نسي ما حفظ صار جاهلًا بل من يأخذ علمه من ربه أي وقت شاء بلا تحفيظ ولا درس، وهذا هو العالم الرباني) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت