فانتفى بما ذكر أن يكون على أبي حنيفةَ وسفيانَ حجَّة في ذلك الحديث. انتهى كلامه (1) .
قلت: أولى التَّقاريرِ هو الذي ذكرْنَا أنَّ الأمرَ بالقتلِ ونحوِهِ محمولٌ على التَّعزيرِ والسِّياسة، حملًا له على نظائرِه.
وأمَّا هذا الدَّفعُ الذي ذكرَهُ بطولِهِ ففيه أنَّ الأمرَ بالقتلِ لا يدلُّ على الارتداد، ولاحتمالِ كونِهِ للسِّياسة، وكذا عقدُ الرَّايةِ لا يدلُّ على الرِّدَّة، والمحاربة، فإنه يجوزُ أن يكونَ المتزوِّجُ المذكورُ متمرِّدًا مصرًَّا على ما ارتكبَهُ من غيرِ استحلالٍ فعقدتْ له الرّايةُ مبالغةً في الزَّجرِ والتَّرهيب.
وكذا أخذُ المالِ يجوزُ أن يكون تعزيرًا بالمال، على أنَّ الحملَ على الارتدادِ إنَّ تمشَّى في حديثِ البراءِ لا يتمشَّى في حديثِ ابن عبَّاسِ الواردِ بصيغةِ العمومِ على ما مرَّ ذكرُه (2) .
فإن قلت: كيف يجوزُ حملُ أخذِ المالِ على التَّعزيرِ على رأي الحنفيَّة، وهم لا يجوِّزون التَّعزيرَ به.
قلت: عدمُ التَّعزيرِ بأخذِ المالِ ليس متَّفقًا عليه عندهم (3) :
فمنهم: مَن جوَّزَهُ.
ومنهم: مَن منعه، قائلًا: إنّه كان في ابتداءِ الإسلامِ فنسخ، فيمكنُ لِمَن منعَهُ أن يقولَ بنسخِهِ هاهنا أيضًا.
فالكلُّ متَّفقونَ على أنَّ التَّعزيرَ بأخذِ المالِ كان مشروعًا، إنّما الخلافُ في بقائِه ورفعِهِ.
قال ابن نُجَيمٍ في (( البحرِ الرَّائقِ شرحِ كَنْز الدقَّائق ) ): لم يذكرْ محمَّدٌ التَّعزيرَ بأخذِ المال، وقد قيل: روى عن أبي يوسفَ أنَّ التَّعزيرَ من السُّلطانِ بأخذِ المالِ جائز، كذا في (( الظَّهيريّة ) ).
وفي (( الخلاصة ) ): سمعتُ من ثقةٍ أنَّ التَّعزيرَ بأخذِ المالِ إن رأى القاضي ذلك أو الوالي جاز، ومن جملةِ ذلك مَن لا يحضرُ الجماعةَ يجوزُ تعزيرُهُ بأخذِ المال. انتهى.
(1) أي الطحاوي من (( شرح معاني الآثار ) ) (3: 149 - 150) .
(2) ص 18).
(3) في الأصل: فيهم.