الصفحة 95 من 127

وخالَفَهم في ذلكَ آخرون، فقالوا: لا يجبُ في هذا حدُّ الزِّنا، ولكن يجبُ فيه التَّعزيرُ والعقوبةُ البليغة، وممَّن قال بذلكَ أبو حنيفةَ وسفيانَ الثَّوريّ، وكان من الحجَّة على الذين احتجُّوا عليه بما ذكرنا أن في تلك الآثارِ أمرُ رسولِ اللهِ رسولَهُ بالقتل، وليس فيه ذكرُ الرَّجمِ ولا ذكرُ إقامةِ الحدّ.

وقد أجمعوا على أنَّ فاعلَ ذلك لا يجبُ عليه القتل، إنّما يجبُ عليه في قولِ مَن يوجبُ الحدَّ الرجمُ إن كان محصنًا، فلمَّا لم يأمرْ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ رسولَهُ بالرَّجمِ وإنّما أمرَهُ بالقتلِ ثبتَ أن ذلك القتلُ ليس بحدِّ الزِّنا، ولكن لمعنى خلاف ذلك، وهو أنَّ ذلك المتزوِّجَ فعلَ ما فعلَ من ذلك على الاستحلالِ كما كانوا يفعلونَ في الجاهليَّةِ فصارَ بذلك مُرتدًّا، فأمرَ رسولُ اللهِ أن يفعلَ به ما يفعلُ بالمرتدّ، وبكذا كان أبو حنيفةَ وسفيانَ يقولان في هذا المتزوِّج إذا أتى في ذلك على الاستحلالِ أنه يقتل.

فإذا كان ليس في هذا الحديثِ ما ينفي ما يقولُ أبو حنيفةَ وسفيانَ لم يكنْ حجَّةً عليهما؛ لأنَّ مخالفَهما ليس بالتَّأويلِ أولى منهما.

وفي ذلك الحديثِ (1) إنَّ رسولَ اللهِ عقدَ لأبي بردةَ الرَّاية، ولم تكنْ الرَّاياتُ تعقدُ إلا لمَن أمرَ بالمحاربة، والمبعوثُ على إقامةِ حدِّ الزِّنا ليس مأمورًا بالمحاربة.

وفي الحديثِ أيضًا أنه بعثَهُ إلى رجلٍ تزوَّجَ امرأةَ أبيه، وليس فيه أنه دخلَ بها، فإذا كانت هذه العقوبةُ مقصودًا بها إلى المتزوِّجِ لتزويجِهِ دلَّ ذلك على أنها عقوبة وجبت بنفسِ العقدِ لا بالدُّخول، ولا يكون ذلك إلاَّ والعاقدُ مستحلٌّ لذلك.

فإن قال قائل: هو عندنا على أنه تزوَّجَ ودخل.

قيل له: وهو عند مخالفِكَ على أنه تزوَّجَ واستحلّ.

فإن قال: ليس للاستحلالِ ذكرٌ في الحديث.

(1) سبق تخريجه (ص 19) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت