ومن ثمَّ صرَّحَ الفقهاءُ (1) بأنَّ الزِّنا الذي يوجبُ الحدَّ هو وطءٌ خالٍ عن شبهةٍ في محلِّ قُبُلٍ خالٍ عن ملكِ النِّكاح، وملكِ اليمين ليس فيه شبهة.
-تشكيك -
وطءُ المَحارمِ بعد النِّكاحِ لا يخلو إمَّا أن يكون من أفرادِ الزِّنا أو لا يكون، فإن كان من أفرادِ الزِّنا فلا شُبهةَ في وجوبِ الحدِّ فيه، فإنَّ كلَّ زنا موجبٌ للحدِّ كما تدلُّ عليه آيتا الحدّ، وإن لم يكنْ من أفرادِ الزِّنا فلا شبهةَ أنّه أشدُّ منهُ وأغلظُ وأقبح، فإذا وجبَ الحدُّ في الزِّنا وجبَ فيه لا محالة.
تفكيك
هذا التَّقريرُ سخيفٌ جدًا:
أمَّا أوَّلًا: فلأنا نختارُ أنه من أفرادِ الزِّنا لكن ليس كلُّ زنا موجبًا للحدّ، بل الزِّنا الخالي عن شبهة، وهاهنا الشُّبهةُ موجودة، فلا يجبُ فيه الحدّ، أو نقولُ إنَّ وجوبَ الحدِّ أمرٌ آخر، وسقوطُهُ أمر، فقد يجبُ شيءٌ في الذِّمّة، ثم يسقطُ بعذرٍ خارجيّ، فوجوبُ الحدِّ فيه لا يستلزمُ أن لا يسقطَ بالشُّبهة، ودرءُهُ بالشُّبهةِ لا يُنافي وجوبَه.
وأمَّا ثانيًا: فلأنا نختارُ أنه أشدُّ من الزّنا لكن ليس أنَّ الزَّاجرَ الذي يثبتُ في جريمةٍ شرعًا ثبتَ في أشدَّ منه؛ لجوازِ أن يكونَ هناك مانعٌ يمنعُ من ثبوتِهِ في الأشدّ، وموجبٌ خاصٌّ بالأضعفِ لا يتعدَّى غيرَه.
ألا ترى إلى أنه وردَ الخبرُ بأنَّ مَن قهقهَ في الصَّلاةِ أعادَ الوضوءَ والصَّلاةَ وبه أخذتِ الحنفيَّة، وشنَّعُوا على مَن خالفَهم، مع ثبوتِ الرِّواياتِ فيها كما بسطُتُه في رسالتي: (( الهسهسة بنقضِ الوضوءِ بالقهقهة ) ) (2) ، مع أنه لو سبَّ مسلمًا أو تكلَّمَ بالفحشِ أو اغتابَ أحدًا في الصَّلاةِ لا يعيدُ الوضوءَ بالاتِّفاقِ مع كونِها أشدُّ من القهقهة.
(1) ينظر: (( بدائع الصنائع ) ) (7: 34) ، و (( تبيين الحقائق ) ) (3: 164) ، و (( العناية ) ) (5: 214) ، وغيرها.
(2) الهسهسة بنقض الوضوء بالقهقهة )) (ص 4 - 26) .