الأحكام الشرعية، وما يقتضيه تنزيلها على الواقع من توفر التأكد من أهلية محل التنزيل وتوفر شروطه ... هو السبيل السليم للتعامل مع المجتمع، أو مع الواقع، وتقويمه بشرع الله وقيم الدين.
إن فهم الواقع والتعرف عليه بدقة، أو بعبارة أدق: فقه هذا الواقع الذي هو محل الأحكام وموضوعها، لا يتأتى من الرؤى الحسيرة، ولا المجازفات القاصرة، والانفعالات التي يحكمها رد الفعل، أو محاولات اختزال الماضي في موقف، أو الحكم على الواقع من خلال لحظة تاريخية، أو نتيجة قريبة، أو النظر إليه من خلال نقطة سوداء، أو حالة طفو زبد، أو شيوع غثاءٍ، بعيدًا عن استكناه الحقائق الاجتماعية، وتجاوز الصورة إلى الحقيقة، واكتشاف القانون الاجتماعي أو قانون الحركة الاجتماعية أو ما يمكن أن نطلق عليه (المنهج السنني) ، الذي يمكن من تفسير الظواهر على وجهها الصحيح، ويحدد مواقع القصور وأسباب التقصير، ويبصر العواقب والمآلات، ولا تخدشه النتائج القريبة والسريعة، وتأسره الانفعالات.
لقد أصبح فقه الواقع، أو فقه المجتمع، علم له أدواته ووسائل قياسه، بل نستطيع أن نقول: إنه أصبح خلاصة لمجموعة علوم إنسانية واجتماعية وتاريخية، ولم تعد تنفع معه النظرة العابرة، أو الملاحظة الآنية، أو الأُمنية المخلصة.
وقد لا نكون بحاجة إلى التأكيد بأن علوم فقه الواقع تتقدم بسرعة، وتتأصل بشكل مذهل حقيقة، وتتشعب إلى شعب تخصصية دقيقة، في محاولة لتغطية جميع مساحات الحياة .. ففي علم الاجتماع والمجتمع بات هناك علوم اجتماع متنوعة بحسب موضوعاتها في الميادين السياسية والاقتصادية .. وعلوم الإنسان بلغت شأوًا، وبدأت تضع يدها على حقائق لا يمكن تجاهلها ولا تجاوزها .. وعلم النفس يتقدم ليدخل المواقع كلها، ويحتل مكانه، ويدلي بشهادته على كل حالة، ولعلنا نقول: إنه تجاوز إمكانية قراءة الحاضر إلى محاولة صناعة المستقبل، وتحضير الناس له بزرع اهتماماتهم وتشكيل أهدافهم.