ولعل الخطورة التي تتأتى من قبل أتباع النبوات، إنما تتأتى من صور التدين ومسالكه، وذلك عندما يتحول بعضهم إلى طبقة من الكهنة تحتكر المعرفة، ويحل فهمها محل القيم المعصومة، ويصبح سلوكها هو المعيار والمقياس ومصدر القيم، وتحاول تحويل الناس المؤمنين من قيم ومعايير الله الشارع، المعصومة، المبرأة من الانحياز والظلم، إلى فهم البشر، إلى فهم الشارح الظني، الذي يجري عليه الخطأ والصواب، وعند ذلك يهتز المعيار، وتتداخل انحيازات البشر وتأثيراتهم ورغباتهم، فتنقلب المعادلة، فبدل أن يُعرف الرجالُ بالحقِ يُعرف الحقُ بالرجالِ، ويبدأ الاستغلال والتسلط، لكن هذه المرة باسم الدين، الذي يعتبر الملجأ الأخير للناس.
والخشية هنا أن يفقد الناس ثقتهم بالقيم نفسها لا بحملتها فقط، ويصعب عليهم تجاوز الصورة المجسدة أمامهم إلى الحقيقة المجردة، فيكون التنكر لقيم الدين التي إنما شرعت لتحقيق الخلاص، فتحولت على يد الكهنة إلى أخطر مجال للاستغلال والتسلط، وهكذا يتحول الناس من جحيم إلى جحيم، وكلما دخلت أمة لعنت أختها، وتستمر رحلة العذاب والقهر والإجبار وإهدار كرامة الإنسان وحقوقه، وتشيع الفلسفات والتسويغات، ويقتل الإنسان عمليًا، سواء أكان ذلك بمطارق من حديد أو بحبال من حرير.
ولقد حذر الله سبحانه وتعالى الأمة الخاتمة من علل التدين التي لحقت بالأمم السابقة، وما يمكن أن تحدثه الكهانات الدينية من الظلم والتسلط والاستغلال، لتكون على بينةٍ من أمرها وحذرٍ من سوء العاقبة، فقال تعالى: (( ?تَّخَذُواْ أَحْبَـ?رَهُمْ وَرُهْبَـ?نَهُمْ أَرْبَابًا مّن دُونِ ?للَّهِ ) ) (التوبة:31) .. وقد يكون فيما ورد في تفسير الآية وبيان معناها ما لا يحتاج أي استزادة لمستزيد: