وذكر البخاري في صحيحه ترجمة لأحد الأبواب في كتاب العلم بالترجمة الآتية: (باب ما يستحب للعالم إذا سئل أي الناس أعلم فيَكِل العلم إلى الله) ثم ذكر حديث موسى والخضر عليهما السلام، وفيه: (قام موسى النبي خطيبًا في بني إسرائيل، فسئل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا أعلم، فعتب الله عليه إذ لم يرُدَّ العلم إليه ... فسلم موسى فقال الخضر: وأنى بأرضك السلام؟ فقال: أنا موسى، فقال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، قال: هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدًا، قال: إنك لن تستطيع معي صبرًا، يا موسى إني على علمٍ من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علمٍ علّمكه لا أعلمه، قال: ستجدني إن شاء الله صابرًا ولا أعصي لك أمرًا، فانطلقا يمشيان على ساحل البحر ليس لهما سفينة، فمرّت بهما سفينة فكلموهم أن يحملوهما، فعُرف الخضر فحملوهما بغير نولٍ، فجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر نقرة أو نقرتين في البحر، فقال الخضر: يا موسى، ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كنقرة هذا العصفور في البحر..) إلخ الحديث.
(( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) ):
هذه الآية الكريمة تنادي بالناس جميعًا أنكم مهما بلغتم من التقدم العلمي والرقي الحضاري، فإن ذلك يعدّ قليلًا، وكلما تقدم الإنسان علميًا يدرك مقدار جهله وقلة علمه في جانب علم الله عز وجل.
ولبيان قلة علم الإنسان، وضعفه أمام قدرة الله عز وجل، وعلمه المحيط بكل شيء، ولتحذيره من الاغترار بقدرته وقوة سلطانه، قال تعالى: (( أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) ) [الروم:9] .