مجلة السنة >> العدد 121 - شوال 1423هـ - ديسمبر (كانون الأول) 2002 م >> الركن الشرعي
إعجاز القرآن في الإخبار عن الغيبيات
د. حكمت الحريري
الإخبار عن علم الغيب خارج عن نطاق القدرة البشرية، فعلم الغيب شقة بعيدة تنطفئ عندها مصابيح الفراسة والذكاء، لا يدنو العقل منها إلا وهو حاطب ليل وخابط عشواء، إن أصاب الحق مرة أخطأه مرات، وما يصيبه فإنما هو بأمر الله وقدره (( قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله ) )، (( يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ) ).
وما يصادفه العقل من الصواب لا يستطيع أحد أن يجزم ويثق ببقائه معصومًا من التغيير والتبديل، ولذا كان من كمال الإيمان وحسن الأدب أنه إذا سئل المرء عن أمر أو طُلب منه فعل شيء أو وعد بفعل شيء أن يقول: (إن شاء الله) امتثالًا لقول الله عز وجل (( ولا تقولن لشيئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله ) ).
وقد تضمن القرآن الكريم من الأخبار الكائنة والتي ستكون في مستقبل الزمان، وقص علينا من أحوال الأمم الماضية وأخبارها، وسير الأنبياء والرسل مما يعدّ وجهًا من وجوه الإعجاز في هذا الكتاب الكريم.
وذلك لأن النبي صلوات الله وسلامه عليه الذي أوحي إليه القرآن كان أميًا بالاتفاق، يعيش بين أظهر قوم أميين، لا صلة له بالعلم والعلماء، ويقضي في هذا المستوى أكثر من أربعين سنة من عمره، ومع ذلك فإنه يذكر أخبارًا من لدن آدم عليه السلام إلى خير القرون.
وحينما يذكر من أحوال الأنبياء وأخبارهم المهمة فإنه يذكرها في منتهى الدقة والتفصيل، وبتصديق من الكتب السابقة كالتوراة والإنجيل، فيوافق ما كان صوابًا منها كما أنزله الله تعالى على أنبيائه ورسله، ويصحح ما حرّف منها على يد بعض الأحبار والرهبان، بما استحفظوا من كتاب الله أي بما طلب إليهم حفظه (1) ؛ فهو المهيمن على الكتب السابقة.
(1) - انظر المعجزات القرآنية لسعيد النورسي ص84، والنبأ العظيم لمحمد عبد الله دراز ص41.