الصفحة 13 من 613

للشيخ العلامة أبي قتادة حفظه الله

الحمد لله والصلاة والسلام على نبي الرحمة والملحمة.

ثم أما بعد.

أوائل الهبات وبادي الرأي أمران لا يحكم بهما على النهايات، بل هما مطعون بهما عند الحكماء وأهل النظر، فالعبرة بما يأتي من تمكين الفعل وتمحيص الرأي، فأوائل الهبات تحتاج إلى تمكينها، وبادي الرأي يحتاج إلى تمحيص، وقد مضى أن قامت الأمة بهبات لم تحسن تمكينها فآلت إلى خسارة وهزيمة، وكانت النهاية مفجعة، وذلك لما قام أهل فلسطين بهبات ضد اليهود، إذ كانت قائمة على العفوية والسذاجة وقوة العاطفة، يقابلها التخطيط والدهاء والمكر، وكانت تلك الهبات بعفوية بادي الرأي كمثل الرأي الفطير لا تشبع نهما ولا تقابل مكرا ولا تخطيطا، فكانت العاقبة لمن فكر وقدر وأعد الأمور بقراءة المتأني الخبير.

عندما قامت الثورة السورية نفر إليها من نفر، في قلوبهم الانتصار لشعب يقتل، وتباد ساحاته، وتنتهك محارمه وقيمه، فانساح في تلك الساحة من عفوية القرارات وبراءة الآراء، وجوبه كل ذلك بواقع صلب ممكن مرير، يكاد له من كبار وأمم ودول، فظن البراءة والعفوية أن الأمر سريع الإنقضاء، والنهاية منظورة، ولم يكن هذا صحيحا البتة، بل أمتد الأمر وطال الوقت، فبردت الجروح وآلامها، وبدأت العواطف تخبو، فشرعت النفوس تهتم بنقد الذات بل جلدها، فهذه مواجهة جديدة لا ينفع معها الهبات السريعة، ولا يقوم لها بادي الرأي، بل تحتاج إلى فكر ونظر ومتابعة، فهو استقرار لمعركة طويلة يجب مراعاة ظرفها وأحوالها.

الآن حقا"حمي الوطيس"فإن تلك النفوس الصغيرة التي لا تصبر على الآلام عندما تطول، ولا تعرف معالجة الأزمات والتعايش معها لبلوغ النهايات، ولا تقدر على الإلتقاء مع الآخر تحت وطأة الألم والمخالفة، ولا تستطيع الاحتفاظ بالعقل وقوة النظر في نار الفتنة وأتونها قد سقطت وانزاحت عن الطريق بل انكشحت بإذن الله تعالى، ولم يبق كما يقول أهلنا في المغرب الإسلامي"ما بقي في الوادي الا حجارة".

"الآن حمي الوطيس"لأن مرحلة الهبات الفجائية قد ذهبت وذهب من يأتي من خلالها ضعيف النظر والفهم، ظانا أنها مجرد غارة قصيرة ثم يؤوب بالنصر والتمكين، وبقي الرجل المكين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت