وشيخًا، جهِّزوني، فقال له بنوه: قد غزوتَ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قُبض، وغزوتَ مع أبي بكر حتى مات، وغزوت مع عمر، فنحن نغزو عنك، فقال جهِّزوني، فجهزوه، وركب البحر، فمات، فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد سبعة أيام، فلم يتغير [1] .
نعم، قد يغفل أهل الإيمان عن الجهاد في سبيل الله مرة، لكن حين تقرع أسماعهم هذه الآيات، فإنهم لن يهدؤوا حتى يقارعوا العدوَّ في الميدان، ويرفعوا عتاب ربهم عنهم، ولسان أحدهم يقول: لا والله إلا عتابك ربِّنا.
وها قد صاح صائح النفير في وادينا، وادي العراق، ها قد حضر الاختبار.
فماذا أنتِ صانعةٌ أيتها النفس أمام حكم الله؟ أمام حبِّ الله ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ أمام استنفار الله؟ أمام استنصار الله والمؤمنين؟ أمام هذه الآيات العظيمة؟
ها هي الآيات التي حرَّكت الأجيالَ المؤمنة، وأطارت نومها، وأذهلتها عن التجارة والولد والصاحب والترف، وهرعت مسرعة خائفة أن يصيبها حكم الله بالنفاق.
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39) } (التوبة) .
بالله عليكِ أيتها النفس، ماذا أبقيتِ للمنافقين إن قعدتِ وتركتِ الجهاد؟ قعدتِ كما قعد المنافقون، عميتِ عن الآية كما عمي المنافقون، بخلتِ بالمال
(1) أخرجه أبو يعلى (3413) ، وابن حبان (7184) ، والحاكم 3/ 353. وعزاه الهيثمي في"المجمع"إلى أبي يعلى والطبراني وقال: رجاله رجال الصحيح.